اتحاد الشغل في تونس... إدارة التراجع
Arab
1 hour ago
share
انعقد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل في لحظة مركّبة لم تكن تسمح بانعقاد عادي، ولا بإعادة إنتاج توازنات قديمة، إذ جاء قبل موعده تحت ضغط أزمة داخلية متراكمة، وضغط خارجي متصاعد، في سياق فقدت فيه المنظّمة جزءاً من قدرتها على الحركة بفعل إجراءات حدّت من التمويل والتفرّغ النقابي وضيّقت على مواردها التنظيمية، ما جعل المؤتمر أقرب إلى محاولة وقف نزيف داخلي وإعادة ترتيب القيادة، أكثر منه لحظة توسّع أو استعادة موقع. أفرز المؤتمر قيادةً جديدةً يهيمن عليها خطّ واحد مع صعود صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة، بعد فوز قائمة الثبات والتحدّي بغالبية مواقع القرار، وفي تركيب أُعيد تشكيله بشكل واسع بلغ نحو 80%، وهو تجديد لم يأتِ انفتاحاً على تحوّلات اجتماعية جديدة بقدر ما جاء إعادةً لتوزيع القوة داخل المنظّمة لصالح قطاعات تقليدية قادرة على فرض الحدّ الأدنى من الانضباط وضبط التوازنات، في ظلّ بيئة داخلية لم تعد تحتمل تعدّديةً حادّةً أو صراعاً مفتوحاً. أنهى المؤتمر أحد أبرز مصادر التوتّر بإلغاء الفصل 20 من القانون الأساس، وهو الفصل الذي غذّى سنوات صراع حول التمديد والشرعية، فاستعاد بذلك قدراً من الانسجام التنظيمي، غير أنّ هذا الحلّ بقي في مستوى الشكل ولم يمسّ جوهر الأزمة، لأنّ الخلاف داخل الاتحاد لم يكن قانونياً فقط، بل كان صراعاً على تعريف دوره نفسه، وعلى موقعه داخل نظام سياسي يتغيّر بسرعة ويدفع نحو تقليص الوسائط كلّها. الخلاف داخل الاتحاد لم يكن قانونياً فقط، بل كان صراعاً على تعريف دوره نفسه ما استقر بعد المؤتمر نوع من الوحدة البراغماتية التي تقوم على تقليص مساحة الخلاف بدل حسمه، إذ تميل القيادة الجديدة إلى خطاب أقلّ صداماً وأكثر قابليةً لإدارة التوازنات بدل كسرها، وهو خيار لا يعكس ضعفاً فقط، بل قراءة لميزان قوى لم يعد يسمح بالمواجهة المفتوحة، في ظلّ سلطة تعمل على إعادة تشكيل المجال العام بطريقة تُقصي الفاعلين الوسيطين وتدفعهم إلى حدود وظيفية ضيّقة. في هذا الإطار، تحوّل "البيت الداخلي" إلى أولوية مركزية، فركّز المؤتمر على الحوكمة والشفافية وإصلاح الهياكل واستعادة الانضباط التنظيمي الذي تآكل خلال السنوات الماضية، وهو توجّه يعكس وعياً بأنّ أيّ دور خارجي للاتحاد يفترض حدّاً أدنى من الاستقرار الداخلي، لكنّه، في الوقت نفسه، يعكس انسحاباً جزئياً من الدور السياسي الذي كان يميّز المنظّمة، إذ لم يعد الاتحاد يطرح نفسه قوةَ توازن، بل هيكل يسعى أولاً إلى تثبيت نفسه. تتحدّد المعادلة التي خرج بها الاتحاد من هذا المؤتمر داخل هامش ضيّق، إذ يواصل رفع مطالب تقليدية تتعلّق بالحوار الاجتماعي واستئناف المفاوضات ورفع القيود عن العمل النقابي، لكنّه يتجنّب، في المقابل، رفع السقف السياسي أو الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة، وهو توازن يهدف إلى الحفاظ على إمكان الحركة، لكنّه يضع المنظّمة في موقع دفاعي، ينتظر فتح المجال بدل أن يفرضه. مرحلة جديدة، يتقدّم فيها منطق الحفاظ على المنظّمة على حساب توسيع دورها يتجلّى التحوّل الأعمق في تغير طبيعة العلاقة بين الاتحاد والدولة، فلم تعد العلاقة تقوم على تفاوض بين طرفَين متكافئَين نسبياً، بل على علاقة غير متوازنة تميل فيها الدولة إلى إعادة تشكيل نفسها من دون وسائط، والتعامل مع الاتحاد هيكلاً ينبغي احتواؤه لا شريكاً، في وقت تراجعت فيه أدوات الضغط لدى المنظّمة، سواء على مستوى التعبئة أو على مستوى تماسك القاعدة الاجتماعية، في ظلّ اقتصاد تغيّرت بنيته بما يقلل من وزن النقابات التقليدية. عكس المؤتمر هذا التحوّل من دون أن يسمّيه صراحة، فلم يعد النقاش يدور حول الدور الوطني الكبير الذي لعبه الاتحاد تاريخياً، بل حول كيفية البقاء فاعلاً في بيئة تتقلّص فيها إمكانات التأثير، حتى إنّ الصراع داخل المؤتمر لم يكن بين رؤى سياسية متباعدة، بل بين طرق مختلفة لإدارة التراجع وتفادي الانقسام، ما منح "الثبات والتحدّي" موقعاً مريحاً بوصف القائمة خياراً يعيد الاستقرار أكثر ممّا يفتح أفقاً جديداً. ستجد القيادة الجديدة نفسها أمام وضع اقتصادي شديد التعقيد، وضغط اجتماعي متصاعد، وحدود مالية للدولة تجعل أيّ تفاوض حول الأجور أو السياسات الاجتماعية محكوماً بهوامش ضيّقة، وهو ما سيدفعها إلى خيارات تدريجية تقوم على التهدئة والتفاوض البطيء، بدل التصعيد والمواجهة، في سياق لم تعد فيه كلفة الضغط على السلطة قابلةً للتحمّل كما في السابق. وبهذا المعنى، لم يكن المؤتمر لحظة استعادة قوة بقدر ما كان لحظة تنظيم للتراجع، إذ نجح الاتحاد في إعادة ترتيب نفسه هيكلاً موحّداً وقابلاً للاستمرار، لكنّه لم يستعد موقعه فاعلاً مركزياً قادراً على فرض التوازن داخل الدولة، وهو ما يضعه أمام مسار طويل من إعادة البناء من الداخل في ظلّ بيئة خارجية لا تمنحه هامشاً واسعاً. يرسم هذا المؤتمر ملامح مرحلة جديدة، يتقدّم فيها منطق الحفاظ على المنظّمة على حساب توسيع دورها، ويتراجع فيها الفعل السياسي لصالح إدارة التوازنات، ويتحوّل فيها الاتحاد من قوّة تفاوضية تفرض إيقاعها إلى فاعل يتحرّك داخل حدود مرسومة سلفاً، وهو تحوّل قد يضمن له البقاء في المدى القريب، لكنّه يطرح عملياً سؤال القدرة على استعادة دوره التاريخي في سياق لم يعد يشبه السياقات التي صُنع فيها هذا الدور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows