Arab
"نظر ترامب إلى زوجتي وقال: سواء كان الأمر صحيحاً أم لا، إذا كرّرته بما فيه الكفاية، فسيصبح حقيقة". هذا ما قاله حاكم ولاية نيوجيرسي الأسبق كريس كريستي الذي كان أحد مقربيه، قبل أن تفترق طريقهما. ووفق تحليل كريستي: "ليس الأمر أنّه (ترامب) إذا قاله (الكذب) مرّات كثيرة سيصدّقه الناس. لا، بل يصبح حقيقةً. هناك نوع من جنون العظمة. فهو يأخذ ما يعرف أنّه غير صحيح ويقنع نفسه به من خلال تكراره مراراً". الرواية على ذمّة كريستي، وسواء أصدق أم كذب، فإنّها تنعكس في شخص ترامب، وشواهدها كثيرة في سلوكه. ويتهم بعض الأطبّاء النفسيين، وخصوم ترامب السياسيين، الرئيس الأميركي بأنّه "كاذب مَرَضي" (Pathological Liar). والكذب المَرَضي تشخيص سريري، من أهم خصائصه أنّه يتضمّن الكذب بشكل قهري، والكذب من دون دوافع واضحة، والكذب حتى عندما يضرّ الشخص نفسَه، وفي أحيان يصدّق الكاذبُ أكاذيبَه. وإذا عدنا إلى ما نسبه كريستي إلى ترامب، فإنّه يتضمّن عنصراً جديداً في المعادلة، إذ يُحدِث ترامب واقعاً موازياً متوهّماً يعيش فيه، ثم يصبح حقيقةً في منظاره، ويسعى بشراسة إلى فرضه في عالم الواقع، وإقناع الناس به، أو على الأقلّ قاعدته، وهي فعلاً في الغالب تصدّق ما يهرف به ويهذي به. وقد قال يوماً (مطلع 2016)، خلال منافسته في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري على مرشّح الحزب للرئاسة الأميركية: "يمكنني أن أقف في وسط الجادّة الخامسة وأطلق النار على شخص ما، ولن أفقد أيّاً من الناخبين". وقد أثبتت الأحداث على مدى عقد أنّه صدق في هذا، وهو الكذوب (!).
لا يكتفي ترامب بالكذب وخلق واقع متوهَّم موازٍ، بل يفعل هذا لأسباب شريرة محضة، ويتصرّف مثل رجل عصابات
من تابع خطاب ترامب مساء الأربعاء الماضي (بتوقيت واشنطن) حول تطوّرات العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، لا بدّ أن يصدّق الرواية التي ينسبها كريستي إليه: "سواء كان الأمر صحيحاً أم لا، إذا كرّرته بما فيه الكفاية، فسيصبح حقيقة". زعم ترامب أنّ إيران كانت على وشك امتلاك "صواريخ يمكن أن تصل إلى الأراضي الأميركية، وأوروبا. وعملياً، إلى أيّ مكان آخر على وجه الأرض"، وتقديرات الاستخبارات الأميركية تؤكّد عكس هذا تماماً. أيضاً، لم يتردّد ترامب في الجزم بأنّ "بحرية إيران انتهت، وسلاحها الجوي انتهى، وصواريخها استُهلكت أو دُمّرت". ادعاءاته هذه جاءت في خضمّ استمرار صواريخ إيران في الهطل على إسرائيل، بما في ذلك اعتداءاتها على جيرانها في الخليج العربي. دع عنك أنّ إيران لا تزال عملياً تتحكّم في مضيق هرمز، ومن يحق له الملاحة عبره ومن يُمنع عليه ذلك. وعلى الرغم من أنّ ترامب أصرّ في يونيو/ حزيران 2025 على أنّ الولايات المتحدة، في العدوان الذي انضمّت فيه إلى إسرائيل حينها، "محت" البرنامج النووي الإيراني ومنشآته، عاد في خضمّ العدوان الحالي إلى اتّهام إيران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي، ثم مطالبة طهران بتسليم اليورانيوم المخصَّب، وتهديده بعملية برّية للسيطرة عليه، وصولاً، في خطابه أخيراً، إلى الزعم إنّ اليورانيوم المخصَّب مدفون تحت الأرض بعد ضربة يونيو 2025، وسيستغرق الأمر من الإيرانيين أشهراً للوصول إليه، ولكنّ هذا لن يحدث "لأنّنا نراقبه عبر الأقمار الصناعية بشكل مكثّف، والأمر تحت السيطرة. إذا رأيناهم يتحرّكون، حتى مجرّد تحرّك نحو ذلك، فسنضربهم بالصواريخ بقوة مرّة أخرى. نحن نملك الأوراق كلّها. هم لا يملكون شيئاً".
لا يكتفي ترامب بالكذب المَرَضي، بل يفعل ذلك لأسباب شريرة، ويتصرّف مثل رجل عصابات
المفارقة أن ترامب قال في خطابه هذا إنّ إسقاط النظام في إيران لم يكن من أهدافه، رغم أنّه في خطاب إعلان الحرب أواخر فبراير/ شباط الماضي كان قد ألمح إلى رغبته في تغيير النظام، حين دعا "الشعب الإيراني العظيم والفخور" إلى السيطرة على الحكومة، معتبراً أنّ هذه "قد تكون فرصتكم الوحيدة لأجيال". ومع ذلك، يزعم الآن أنّ "تغيير النظام حدث بسبب مقتل جميع قادتهم الأصليين. جميعهم ماتوا. المجموعة الجديدة أقلّ تطرفاً وأكثر عقلانية بكثير". تُرى، هل القيادة الإيرانية الجديدة "أقلّ تطرّفاً وأكثر عقلانية"، كما يقول، أم أنّها لا تقلّ تمسّكاً بخطابها ومقاومتها عن القيادة السابقة؟ أظنّ أنّ الإجابة واضحة.
ينطبق الأمر نفسه على مضيق هرمز الذي كرّر ترامب أنّه سيفتحه بالقوة إذا لم تفتحه إيران طواعية. في خطابه، ألقى ترامب مسؤولية فتحه "على الدول التي تحصل على النفط عبر مضيق هرمز"، التي عليها "أن تتولّى مسؤوليته والحفاظ عليه... عليهم أن يتولّوا القيادة في حماية النفط الذي يعتمدون عليه بشدّة"، على أساس أنّ أميركا لديها فائض في إنتاج النفط والغاز. بمعنى، أنّ ترامب أشعل النار، ثم يطالب الآخرين بإطفائها، على أساس أنّهم أوّل المتضرّرين منها.
يبقى أن نضيف صفةً جديدةً لترامب؛ أنّه لا يكتفي بالكذب وخلق واقع متوهَّم موازٍ، بل يفعل هذا لأسباب شريرة محضة، ويتصرّف مثل رجل عصابات. وإلا فما معنى أن يُحمِّل مسؤولية فتح مضيق هرمز دولاً أخرى، رغم أنّه من سبّب إغلاقه، بما يترتّب على ذلك من تداعيات اقتصادية كارثية على دول الخليج التي تعتمد عليه بصورة أساسية لتصدير النفط والغاز؟ ثالثة الأثافي أنّ ترامب الآن يطالب دول الخليج نفسها بأن تدفع كلفة الحرب كاملةً، وهي لا تقلّ عن عشرات المليارات من الدولارات. أمّا الدول التي تعتمد على مصادر الطاقة من الخليج، فهي إن لم تعمل على فتح مضيق هرمز (أي دخول الحرب مع إيران)، فأمامها خيار آخر: "اشتروا النفط من الولايات المتحدة. لدينا كثير. لدينا فائض هائل". أليس هذا منطق رجل عصابات؟ فكيف إذا اقترن منطق العصابات بجنون العظمة، والكذب المَرَضي، والعيش في واقع موازٍ متوهَّم؟ الأخطر أن نعلم أنّ مَن يمتلك تلك الصفات، أو مَن كان مصاباً بها، يحكم أكبر قوة على وجه الأرض.
كان الله في عون البشرية.

Related News
وحشة الأمكنة
alaraby ALjadeed
27 minutes ago
ضربات روسية على أوكرانيا تسفر عن مقتل شخصين وإصابة العشرات
aawsat
59 minutes ago