Arab
ودّعت الجزائر رئيسها الأسبق اليمين زروال (1994- 1999)، وكانت قد شهدت في سنوات رئاسته الخمس أحداثاً دامية، بعد أن دخلت حرباً أهلية عنيفة إثر القبض على زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني، والقيادي فيها علي بلحاج، في 1991، على خلفية دعوتهما إلى الإضراب العام بعد إلغاء السلطات الجولة الأولى من نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة بأغلبية ساحقة، في ديسمبر/ كانون الأول 1991، الأمر الذي تسبّب في أعمال عنف دامية شهدتها البلاد، عُرفت باسم "العشرية السوداء" وانتهت عام 2002.
تختصر سيرة زروال مرحلةً طويلةً من تاريخ الجزائر بحلوها ومرّها، فالرجل التحق بالثورة الجزائرية في سنّ مبكّرة، ثم واصل مسيرته بعد الاستقلال ضمن صفوف الجيش الوطني الشعبي، مستفيداً من تكوين عسكري رفيع المستوى. وتدرّج في مناصبَ عسكريةٍ عليا، فتولى قيادة مؤسّسات تكوينية استراتيجية، منها المدرسة العسكرية في باتنة والأكاديمية العسكرية بشرشال، وعُيّن قائداً للقوات البرّية سنة 1989، ثم استقال من الجيش، وأصبح سفيراً للجزائر في رومانيا عام 1980. وفي أعقاب اغتيال الرئيس محمّد بوضياف (29 يونيو/ حزيران 1992)، عُيّن وزيراً للدفاع، ثم رئيساً للمجلس الأعلى للدولة، وأصبح رئيساً للجزائر لتسيير شؤون البلاد في مرحلة انتقالية بدأت في يناير/ كانون الثاني 1994، ثم انتُخب رئيساً في نوفمبر/ تشرين الثاني 1995.
قد يختلف الجزائريون حول سياساته في فترة حكمه، لكنّهم لا يختلفون في النظر إليه رجلاً شجاعاً ووطنياً مخلصاً، تحمّل المسؤولية في أوقات داخلية صعبة على المستويات كافّة، اعتبرها جزائريون من أصعب مراحل بلادهم بعد الاستقلال، إذ اتصفت بالفوضى السياسية وانتشار العنف المنفلت، وانهيار اقتصادي واسع، وصل إلى حدّ وجدت معه الدولةُ صعوبةً في دفْع أجور عمّالها وموظفيها، على الرغم من عائداتها المالية الضخمة من تصدير ثرواتها الطبيعية، وخصوصاً الغاز والبترول. اتخذ زروال خطوات عديدة باتجاه تحقيق مصالحة وطنية، فدعا إلى مؤتمرات مصالحة، انتقدتها بشدّة أحزاب المعارضة، والتقى زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ في السجن، وتبادل معهم الرسائل. كما توعّد بمحاربة الفساد والفاسدين، واعتبر أنّ "إثراء بعض على حساب تهميش بعض الآخر هو أحد أخطر مصادر التوتّر والصراعات في الجزائر"، لكنّ الأمور لم تذهب كما كان يأمل معظم الجزائريين.
توجّه آلاف المتظاهرين عام 2019 إلى منزل اليمين زروال بمدينة باتنة، لمطالبته بقبول قيادة المرحلة الانتقالية في الجزائر، وردّدوا شعارات "الجيش والشعب معاك يا زروال"
يُحسب لزروال أنّه قاد مرحلةً انتقاليةً في فترة الحرب الأهلية، وحاول إعادة الجزائر إلى المسار الانتخابي الديمقراطي، ونيل سلطته شرعية شعبية بإشرافه على تنظيم أوّل انتخابات رئاسية تعدّدية في البلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني 1995، وحقّق فيها فوزاً كبيراً. تبعتها انتخابات تشريعية (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمّة)، ثم انتخابات محلّية (المجالس البلدية والولائية). وعلى مستوى السياسة الداخلية، طُبِّق قانون أحزاب جديد، وتقلّص عدد الأحزاب، وسادت تعدّدية حزبية في البلاد. ثم ضمّن دستور 1996 مادّةً تحدّد الولايات الرئاسية بفترتَين فقط، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ الجزائر، لكنّ خلفه عبد العزيز بوتفليقة لم يلتزم بذلك، وحكم الجزائر عقدَين.
وأحدث زروال مفاجأةً سياسيةً مدوّيةً بإعلانه عام 1998 التنحّي وإنهاء ولايته قبل موعدها، على خلفية خلافات داخلية، ثم ابتعد من المشهد السياسي كلّياً. تكمن أسباب تنحّيه في الخلافات الجوهرية مع المؤسّسة العسكرية بشأن خطوات إصلاحية كان يعتزم القيام بها، خصوصاً في المؤسّسة العسكرية، إلى جانب إصلاحات في ضوء ملاحظات حملها وفد من الأمم المتحدة، وتضمّنت اتهامات للأجهزة الأمنية بالمسؤولية عن عدة اعتداءات أمنية أو عمليات الاختطاف والاغتيال، الأمر الذي عرّضه لحملة قادها ضبّاطٌ كبار في الجيش الجزائري، ووضعه أمام خيارات صعبة ومحدودة، فاختار الانسحاب من سدّة الحكم.
قاد زروال مرحلةً انتقاليةً خلال العشرية السوداء وحاول إعادة المسار الديمقراطي
يأخذ بعض الجزائريين على زروال أنّه ساير الانقلاب على المسار الديمقراطي عام 1992، وأيّد انتخابات شابها التزوير، كما غاب من المشهد السياسي، لكن يُحسب له أنّه ابن المؤسّسة العسكرية الجزائرية الذي خلع بزّته العسكرية عند مدخل قصر المرادية، وحظي بمكانة كبيرة ومصداقية عالية لدى عموم الجزائريين، لأنّ اسمه ارتبط لدى أنصاره بالنزاهة، ما جعله يحافظ على شعبيته بعد أن غادر الرئاسة طوعيّاً في انتخابات رئاسية سابقة لأوانها في 1999. وخلال فترة الحراك الشعبي الاحتجاجي في 2019، تظاهر مئات آلاف الجزائريين، في الجمعة السادسة من الحراك، مطالبين باستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتغيير النظام، وتوجّه آلاف منهم إلى منزل اليمين زروال بمدينة باتنة (شرق)، لمطالبته بقبول قيادة المرحلة الانتقالية في الجزائر، وردّدوا شعارات "الجيش والشعب معاك يا زروال"، الأمر الذي دفعه إلى الخروج من منزله وتحية المتظاهرين، لكنّه تمسّك برفضه العودة إلى السياسة. غير أن محاولات زروال الإصلاحية فشلت بالنظر إلى سيطرة ما يسميها الجزائريون "العصابة السوداء" على مفاصل السلطة، وتتألّف من مجموعة من القادة الأمنيين والعسكريين والسياسيين عملت لإجهاض أيّ محاولة تغييرية، وتصدّت للحراك الذي انطلق عام 2019 الذي أُجهض سريعاً. كما واجه زروال أزمات اقتصادية خانقة، إضافةً إلى إفلاس الخزينة الجزائرية.
لم تتغيّر كثيراً أحوال غالبية الجزائريين في المرحلة الراهنة، خصوصاً مع نسبة البطالة العالية التي سجّلت أرقاماً قياسية، وتردّي الوضع المعيشي لنسبة كبيرة منهم، في مقابل تركّز الثروة في أيدي نسبة قليلة من أصحاب الامتيازات والثروات. إضافة إلى تداعيات النزاع المزمن بين الجزائر وجارتها المغرب، فضلاً عن الأزمة التي تعيشها أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة، التي تعاني الانقسام الداخلي ومصادرة السلطة للفضاء العام، وغير ذلك.

Related News
وحشة الأمكنة
alaraby ALjadeed
27 minutes ago
ضربات روسية على أوكرانيا تسفر عن مقتل شخصين وإصابة العشرات
aawsat
59 minutes ago