إعدام الأسرى وجهاً للإبادة الصامتة
Arab
1 day ago
share
مثلي لا يعوّل على القوانين، إذ أعتقدُ بكونها أداةً للقمع والإبادة كالقنابل والهراوات والأسلاك الشائكة والضرائب، مجرّد أدوات مُتباينة المظهر لخدمة صانعها (السلطة)، ولا فارق جوهرياً بين كون هذه السلطة جاءت بديمقراطيّة إجرائيّة يظنّ فيها الجماهير أنّهم أصحاب قرار، أو كانت سلطة احتلال وإحلال تنتهج الإبادة والتطهير العرقي والتجويع. لكنّ الموقف المبدئي منها لا ينفي التعاطي مع التطرّف في استغلالها لتمرير الجرائم أو تبريرها وشرعنتها، ورغم أنّ فصول المعركة وصلت حدًّا وجوديًّا لن يحدّد فيه المسار والمصير تفصيلٌ كهذا مهما كان مروّعًا، إلا أنّ أثرًا نفسيًّا وإنسانيًّا لا يمكن تجاهله ولا الفكاك منه يُخيّم تحت ظلاله، إذ قطرة دم واحدة تُسفك ظلمًا تستحقّ أن تلعن العالم كلّه إلى الأبد. للأسرى خصوصيّة قيود الجسد فوق طبقات القيود التي تكبّل الكلّ، وصمت الاغتيال ولا إمكان مشاهدته، وإن أتوقّع من مجرمي العدوّ أن يذيعوا الإعدامات على الهواء كما أذاعوا الإبادة وغيرها مما لم يكن يُتصوّر أن يُرى ويُعرف، ردعًا عامًّا للكوكب بأسره، وترسيخًا لمعادلات جديدة كـ"مخبول الكوكب" الذي لا يحدّ انتقامه حدّ، وإن كان هو المجرم الأصيل، فالأسرى محرومون حتى من حقّ الصراخ، والوداع، والالتفات. الأسرى محرومون حتى من حقّ الصراخ، والوداع، والالتفات الإبادة التي جرت، كادت تجعل كلّ شيءٍ هيّنًا مهما كان جليلًا، ولولا نفرٌ ما زال يحاول ويقول ويكتب، لظننا العالم انخرس جملةً وعميَ جملة. لكنّ مصيرهم (الأسرى) كذلك مرهونٌ بمصير المعركة الدائرة في إيران وتل أبيب والخليج والعراق وجنوب لبنان وضاحيته، وربّما في اليمن بعد قليل، تلك المعركة التي سيبقى فيها هذا العدوّ موجودًا، أو سيُستراح منه إلى الأبد. وفي الوقت الذي تحبس فيه الحشود حول العالم أنفاسها لمتابعة أحدث مواقع التفجير ومصير المضيق وتقدير مدى جدية التهديدات الإقليمية الكبرى، يتربّص في زنازين الأسر خطرٌ إنسانيٌّ صامت يُصنع ببرود تحت صيغٍ قانونيّة، فبينما يغطي غبار المعارك على التفاصيل الإنسانية، يمضي الكنيست في إقرار حزمة من التشريعات التي تضع حبل المشنقة رسمياً حول أعناق الأسرى، فيما يمكن تسميته بـ الإبادة القانونيّة. تأتي هذه الخطوات عبر الدفع بـ"قانون الإعدام" بالتوازي مع مشروع قانون آخر ينشئ محكمة عسكرية خاصّة مخوّلة بفرض الإعدام على المشاركين في أحداث السابع من أكتوبر. إنّنا لسنا أمام مجرّد "تعديل قانوني"، بل نحن أمام هندسة لنظام تصفية جسدية مُتكامل، لم تكتفِ هذه المرّة بسبعين ألف شهيد في غزّة وحدها والآلاف غيرهم في بقية فلسطين، ولبنان وسورية وغيرهم، بل يمتدّ الانتقام الأعمى الذي يرتدي عباءة القضاء إلى المئات القابعين في زنازين العدو منذ عقود. لسنا أمام مجرد "تعديل قانوني"، بل نحن أمام هندسة لنظام تصفية جسدية متكامل ما يحاول القانون تشريعه اليوم على منصّات الإعدام، هو واقعٌ مأساوي يُمارس بالفعل منذ سنين في غياهب السجون، الشهادات الحية والمروّعة التي استمعتُ إليها من الأسرى والأسيرات الذين التقيتهم بعد التحرير، تتحدّث بصوتٍ يرتجف وعجز تام عن عشرات حالات التصفية المُباشرة والاغتيالات الصامتة التي تمت خلف الأسوار، فضلًا عن الموت البطيء تحت وطأة التعذيب الشديد والظروف الاعتقالية المُرعبة التي لا يتوقّف فيها التعذيب والإذلال مُطلقًا. وهذا القانون يأتي ليتكامل مع ما بدأه العدو وحكومته الإباديّة ليصبح حبل المشنقة مجرّد امتدادٍ طبيعي لعصا السجّان وقنابل الإبادة. بينما تدق طبول الحرب الكبرى، تراجع ملفان هما الأشدّ قدسية وحساسية: ملف الأسرى، والمسجد الأقصى المبارك (وهذا موضوع حديث قادم)، حيث نجحت آلة الحرب في إزاحة هذه القضايا الحيوية عن صدارة الاهتمام العالمي. وهذا التراجع لا يمثّل خسارة إعلامية فحسب، بل هو ضوء أخضر للاستفراد بالأسرى والتمادي في الانتهاكات المُمنهجة داخل غرف التحقيق وباحات الأقصى، بعيداً عن الرقابة والمحاسبة الدولية. لقد توالت الإدانات مؤخّراً، مُحذّرةً من هذا التراجع الخطير والتمييز المؤسّسي الفاضح، إلا أنّ هذا التنديد اللفظي لم يُترجم لردع حقيقي على الأرض، لا من الحكومات بالطبع، إذ هي شريكة في غالبها ولولا شراكتها وتواطؤها لما وصلنا إلى هذه المرحلة، ولا حتى من الجماهير المذعورة والملتهية في العدوان الأميركي الصهيوني على إيران وردّ الأخيرة عليه. السكوت على تشريع إعدام الأسرى في ظلّ هذه الظروف اللاإنسانية يُسقط ورقة التوت الأخيرة عن قيم العدالة الدولية المزعومة، ويوجّهنا (نحن الجماهير المتفرّجة المخدّرة برعب الإبادة) إلى الحقيقة العارية: إنّنا في حاجة اليوم إلى تحرّك إنساني شعبي عابر للحدود، يقوده أحرار العالم والضمائر الحيّة المُتمرّدة على صمت المؤسسات، لرفع الصوت عالياً ضدّ هذه الإبادة القانونيّة، ولإعادة ملف الأسرى والمقدّسات إلى واجهة الضمير الإنساني قبل أن يبتلع الصمت ما تبقى من أرواح.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows