Arab
ترك السومريون والأكاديون والآشوريون ومن تلاهم، إنتاجاً فكرياً وعلمياً غنياً، شكّل نقطة انطلاق الحضارة في كامل الهلال الخصيب، من زاغروس إلى الساحل الشرقي للمتوسط.
مع قدوم الإسكندر المقدوني إلى شرق البحر المتوسط، أطلق الإغريق على هذه المنطقة اسم ASSYRIA وعلى شعوبها اسم ASSYRIANS. وبسبب التفاعل المستمر بين بلاد الشام واليونان، ظهرت تسمياتٌ وتخريجاتٌ متعدّدة مثل (سريان، السريان، سوريا، الكنيسة السريانية، سورايى، سوريث وغيرها) وجميعها غير دقيقة علمياً وأكاديمياً، إلا أن هذه "التخريجات" غالباً ما تعود في أصلها إلى الجذر الآشوري، من حيث الوطن واللغة والحضارة.
وذِكر نينوى وسكانها الآشوريين في سفر التكوين ليس مجرّد معلومة تاريخية، بل تأكيد مكانة شعب باركه الله، واختاره ليكون الأساس في تكوين حضارة إنسانية، امتدّت من أقصى الشرق إلى الغرب، "مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ وَبَنَى نِينَوَى وَرَحُوبُوتَ عَيْرَ وَكَالَحَ" سفر التكوين 10: 11–12
وقد وصف الله آشور بأنه “عمل يديّ” تعبير يُمنح لأمّةٍ ذات دور محوري في الخطة الإلهية، لم تشتهر بعظمة قوتها العسكرية فحسب، بل بحضارة راسخة الجذور، كما قال السيد المسيح “رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا“ لوقا 11:32. كما يتضح هذا في حقبة الحكيم الآشوري أخيقار (705-681) ق. م، مستشار الملك الآشوري سنحاريب ووزيره، ثم كان مستشاراً لابنه أسرحدون، وهذه الحقبة قبل ظهور تسمية السريان، وعُرِفَ فيما بعد في الثقافة الإسلامية بـ "لقمان الحكيم"، ما يعكس امتداد تأثيره عبر الثقافات.
ترتبط الاحتفالات بأسطورة الآلهة عشتار، ربّة الحب والحرب والخصوبة، التي يزيد عمرها عن ستة آلاف عام، والتي لقّبت "أم الزلف"
وحدة شعوب المشرق وجذورها
يحق لأي شخص مهتم بالحضارة الأصيلة أن يفتخر بأفرع تلك الشجرة الكبرى: (مشرقيين وآراميين وفينيقيين وكلدان وسريان) مع الحفاظ على الجذر الآشوري للهوية، فأبناء تلك الفروع ليسوا شعوباً مختلفة أو متفرقة، بل هم شعب واحد ينحدر من جذر رافديني واحد، بلغة واحدة ولهجات متعددة، وهوية واحدة، فالآشوريون، بكنائسهم المشرقية والكلدانية والسريانية وغيرها، ومن يشاركهم الهوية الحضارية (الآراميون والفينيقيون) يمَزَّقون مذهبياً وعشائرياً ومناطقياً لتشتيت شملهم، فالسومريون هم شومرايه، أي الآشوريون السُّمر البشرة (جنوب بلاد الرافدين)، والأكاديون هم آباء الآشوريين والبابليين. يتجلى هذا في اسم الملك سركون الأكادي الذي جمع تلك القبائل والعشائر، وأسس أول كيان لدولة مدنية، اسم سرجون الذي تكرر بين الملوك الآشوريين، منهم سرجون الأول في القرن السابع عشر ق. م، والملك سرجون الثاني في العصر الآشوري الحديث.
الرواية الحقيقية لكذبة نيسان
تعرّض الآشوريون لمجازر إبادة متكرّرة منذ القرن الميلادي الأول، ما دفع قسماً منهم إلى الانضمام إلى المذهب الكاثوليكي هرباً من المجازر، فظهر من يُعرفون بالآشوريين الكاثوليك، وكنيستهم "الكنيسة الآشورية الكاثوليكية" بحدود عام 1552 ميلادية، ثم تحولت عام 1883 ميلادية، إلى ما يُعرف اليوم باسم "كنيسة الكلدان"، ولم يكتفوا بالاضطهاد وتقسيم الآشوريين مذهبياً بسلخ جزء كبير عن الكنيسة المشرقية الأم، بل أوجدوا "كذبة الأول من نيسان" للإساءة أكثر إلى الآشوريين الذين بقوا على عقيدتهم المشرقية الأصيلة، حين تم تبني التقويم الغريغوري (1 كانون الثاني) بدلاً من 1 نيسان الذي كان عيد رأس السنة الآشورية والبابلية في كامل الهلال الخصيب والمناطق المجاورة، كالفرس والمصريين وغيرهم، ومن استمر في الاحتفال في الأول من نيسان اعتُبر كاذباً وموضع سخرية. وتشير روايات أوروبية أيضاً إلى أن عادة "كذبة نيسان" ارتبطت بقرار الملك الفرنسي شارل التاسع عام 1564 عندما نقل بداية السنة إلى كانون الثاني، بينما حافظ بعضهم على تاريخ الاحتفال في الأول من نيسان فصاروا أيضاً موضعاً للتهكم.
وقد حافظ الآشوريون، بمختلف مذاهبهم، على لغتهم وإرثهم الحضاري، بما في ذلك احتفالهم برأس السنة الآشورية، في الأول من نيسان، فيما يحتفل الإزيديون به في أول أربعاء من نيسان الشرقي (الأربعاء الأحمر). ومعروفٌ أن التقويم الآشوري أقدم من التقويم العبري والتقويمين الفرعوني والصيني، واستمر تداول التقويم الآشوري حتى القرن السادس عشر الميلادي في مناطق واسعة من العالم القديم، قبل أن يحلَّ محله التقويم الغربي الحديث.
أقدم الأعياد المسجلة في التاريخ، إذ بدأ احتفالاً زراعياً مرتبطاً ببذار الشعير وحصاده، ثم تطوّر إلى عيد وطني ديني
طقوس العيد
ترتبط الاحتفالات بأسطورة الآلهة عشتار، ربّة الحب والحرب والخصوبة، التي يزيد عمرها عن ستة آلاف عام، والتي لقّبت "أم الزلف"، يغني لها الناس في أرياف سورية الطبيعية (عالعين يم الزلف زلفة ياموليا)، وتبدأ معها احتفالات رأس السنة الآشورية في 11 آذار الشرقي / 1 نيسان غربي، وتستمر 11 يوماً، تشمل طقوساً خاصة، تبدأ بطقس الحزن والنحيب، تليه الطهارة والغفران وصولاً إلى الأمل والرجاء، وإعادة تمثيل قصة الخليقة، وطقوس تضمن بقاء الآلهة في المدينة، وتنتهي بمأدبة كبيرة، ومن أبرز هذه الطقوس "إذلال الملك"، حيث يُجرّد الملك رمزياً من شارات المُلك ويُصفع أمام الكاهن، ثم يتنازل عن عرشه لشخص محكوم بالموت، فتعم الفوضى المؤقتة قبل استعادة النظام، لتستكمل الاحتفالات وتبلغ ذروتها في الأول من نيسان.
ويُعـد هذا العيد أقدم الأعياد المسجلة في التاريخ، إذ بدأ احتفالاً زراعياً مرتبطاً ببذار الشعير وحصاده، ثم تطوّر إلى عيد وطني ديني، يتزامن مع الاعتدال الربيعي، وبداية دورة حياة جديدة، واتخذ طابعاً قدّاسياً يتضمن طقوس الزواج المقدس، يرمز إلى انتصار الحياة والربيع على الشتاء (أسطورة عودة الإله دموزي/ تموز) وتجدّد الطبيعة، كما يعني الباكورة أو بداية الشيء.
وقد اعتبر بعض رجال الدين والسلطات تلك الطقوس بقايا تقاليد وثنية، فحاولوا تحريمها والحد منها. وما زالت بعض الطقوس الرمزية تُمارس، كتعليق حزمة من الأزهار الطبيعية والعشب الأخضر على أبواب المنازل وتُعرف بـ "دلقا دنيسان" أو "شعاع شمس نيسان " تعبيراً عن الخصب وتجدد الحياة.
يحافظ الآشوريون في سورية والعراق ولبنان والأردن، وفي بلاد الاغتراب، على هذا الإرث، يتوارثونه هويةً وإرثاً حضارياً، ولأننا أحفاد تلك الحضارة العظيمة، نأمل استعادة هذا اليوم، مناسبة وطنية جامعة تحتفي بها شعوب المشرق.
شيتا آشوريتا خَدتا بريختا/ سنة آشورية جديدة مباركة.

Related News
مبابي: ميسي «لاعب مختلف»
aawsat
25 minutes ago