Arab
خرجت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس، اليوم الاثنين، أمام وسائل الإعلام، لتؤكد الخبر الذي نشرته صحيفة "آل باييس" في صفحتها الأولى بوقت سابق اليوم، حول إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب على إيران، في موقف يعكس انتقال القرار من مستوى المعطيات التقنية إلى الإعلان السياسي الصريح. لكن ما يضفي أهمية خاصة على هذا التطوّر هو أن إعلان وزيرة الدفاع يكشف أن قرار مدريد لم يكن رمزياً أو محدوداً، بل اتّخذ طابعاً عملياً واسع النطاق، أعاد رسم جزء من الخريطة الجوية للعمليات العسكرية في المنطقة.
فبحسب المعطيات، فإنّ إغلاق إسبانيا لمجالها الجوي بالكامل أمام أي طائرة مرتبطة بعملية "الغضب الملحمي" التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، جاء في إطار منع استخدام قاعدتَي روتا ومورون من قبل الطائرات القتالية أو طائرات التزود بالوقود المشاركة في الهجوم. ويأتي هذا القرار في سياق ما أعلنه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز داخل البرلمان، حين قال إنّ جميع خطط الطيران المرتبطة بالعملية "جرى رفضها بالكامل، بما في ذلك طائرات إعادة التزود بالوقود"، ما يعني عملياً حظر مرور القاذفات الاستراتيجية والطائرات الداعمة عبر الأجواء الإسبانية.
من الناحية العملية، يؤثر هذا القرار الإسباني مباشرةً على سير العمليات العسكرية، إذ تضطر القاذفات الأميركية من طراز B-52 وB-1 إلى تغيير مساراتها، بعدما فقدت إمكانية الاستفادة من الموقع الجغرافي لإسبانيا كنقطة عبور أساسية نحو الشرق الأوسط، كما يعني أن بعض القاذفات باتت مضطرة للالتفاف حول شبه الجزيرة الإيبيرية والدخول عبر مضيق جبل طارق، أو الانطلاق من قواعد بديلة في بريطانيا، وهو ما يرفع كلفة العمليات ويزيد من المخاطر التشغيلية.
وبحسب ما نقلته صحيفة "آل باييس" صباح اليوم، فإنّ هذا الموقف لم يكن وليد اللحظة، بل جاء بعد مفاوضات مكثفة سبقت اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الفائت. فقد حاولت واشنطن نشر قاذفات استراتيجية في القواعد الإسبانية، إلّا أن مدريد رفضت، مؤكدة أن أي عمل عسكري يجب أن يكون تحت مظلة شرعية دولية، مثل الأمم المتحدة أو حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي.
حياد عسكري مدروس
وكانت الحكومة الإسبانية قد رفعت منذ البداية شعار "لا للحرب"، إلّا أن هذا الموقف يكشف تطوراً تدريجياً، إذ يأخذ طابعاً تقنياً أقرب إلى الحياد العسكري المدروس. فبحسب صحيفة "الباييس"، لم تنخرط مدريد في العمليات، لكنها في الوقت ذاته لم تقطع تعاونها العسكري مع واشنطن، إذ لا تزال القواعد الأميركية في إسبانيا تُستخدم في إطار الاتفاقيات الثنائية لدعم نحو 80 ألف جندي أميركي منتشرين في أوروبا، كما أبقت السلطات الإسبانية على استثناء وحيد يسمح بمرور أو هبوط الطائرات في حالات الطوارئ، في محاولة لتجنّب التصعيد المباشر مع الولايات المتحدة.
في المقابل، جرى نقل طائرات التزود بالوقود من طراز KC-135، التي كانت متمركزة في إسبانيا، إلى دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وألمانيا، ما زاد من تعقيد العمليات الجوية، وأجبر الطائرات على تنفيذ عمليات التزود بالوقود في مسارات أطول وأكثر حساسية، كما رفضت إسبانيا السماح لطائرات التزود بالوقود المتمركزة على أراضيها بدعم القاذفات الأميركية، وهو قرار كان له تأثير مباشر على قدرة هذه الطائرات على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
وتشير المعطيات التي نشرتها الصحيفة القريبة من الحكومة إلى أنّ الحرب نفسها جاءت بشكل مفاجئ للحلفاء الأوروبيين، الذين كانوا يتوقعون التوصل إلى اتفاق مع إيران في مفاوضات جنيف. غير أن ضربة استباقية، مدفوعة بمعلومات استخباراتية إسرائيلية، سرعت اندلاع المواجهة. وكشف هذا التطور أيضاً عن تباين في مواقف الدول الأوروبية، إذ وافقت المملكة المتحدة على استضافة القاذفات الأميركية في قاعدة "فيرفورد"، بينما تبنت فرنسا موقفاً وسطاً يقتصر على الدعم غير المباشر، في حين اختارت إسبانيا نهجاً أكثر تحفظاً.
ورغم رفضها المشاركة في الهجمات، لم تنسحب إسبانيا من التزاماتها الدفاعية، إذ شاركت في حماية تركيا من الهجمات الصاروخية، كما أرسلت قوات بحرية لحماية قبرص، في إطار التزاماتها داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، كما رفضت الانضمام إلى عمليات محتملة لتأمين مضيق هرمز، أو دمج مهام العمليات الأوروبية في المنطقة، في مؤشر إضافي على حرصها على عدم التورّط المباشر في النزاع.
في هذا السياق كله، تأتي تصريحات وزيرة الدفاع لتتوّج سياسة متكاملة اعتمدتها مدريد منذ بداية الأزمة: رفض الحرب من حيث المبدأ، وترجمة هذا الرفض إلى إجراءات تقنية مؤثرة، دون الانسحاب من منظومة التحالفات الغربية. هذا "الحياد المحسوب" جعل من إسبانيا لاعباً مختلفاً داخل المعسكر الأوروبي، وفرض في الوقت ذاته تحديات ميدانية حقيقية على سير العمليات العسكرية الجارية ضدّ إيران.
