Arab
تكتسب بعض العقارات قيمة تتجاوز سعرها السوقي المعتاد، ليس بسبب موقعها أو مواصفاتها الهندسية فقط، بل أيضاً بفعل تاريخها وارتباطها بشخصيات نافذة. فامتلاك قصر لرئيس أو ملياردير سابق يضيف ما يشبه "ضريبة معنوية" لا تدخل ضمن كلفة البناء، لكنها تؤثر مباشرة في السعر النهائي. ويزداد هذا الأثر حين يجتمع الموقع الاستثنائي مع الطراز المعماري الفريد، فيتحول العقار إلى حالة خاصة يصعب إخضاعها لمنطق السوق التقليدي.
هذا تماماً ما ينطبق على قصر زكي باشا في إسطنبول، الذي يُقدّر سعره بنحو 125 مليون دولار. فالمشتري هنا لا يدفع مقابل بناء فخم فحسب، بل مقابل موقع نادر على مضيق البوسفور، وتاريخ مالكه، وقيمة الإطلالة. يقع القصر أسفل جسر السلطان محمد الفاتح في منطقة روملي حصار، على واحد من أهم المواقع التي تصل بين شطري المدينة الآسيوي والأوروبي، ما يمنحه مكانة مميزة بين القصور المنتشرة على ضفتي المضيق.
ويتميّز القصر بطراز معماري يجمع بين العثماني والأوروبي، صمّمه المعماري ألكسندر فالوري مطلع القرن العشرين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. تظهر فيه لمسات باروكية واضحة في الواجهات والزخارف، مع نوافذ طويلة وتفاصيل دقيقة تربط الطوابق بانسجام. هذا المزيج يمنح القصر شخصية فريدة، تعزّزها مساحته الواسعة التي تضم 23 غرفة نوم، وخمسة صالونات، وثمانية حمامات، إضافة إلى حديقة كبيرة تطل على البوسفور.
ورغم اقتران اسمه بزكي باشا، لم يقم هذا الأخير فيه طويلاً، إذ سكنه بين عامي 1908 و1914. تعاقب على ملكية القصر عدد من الأسماء، بدءاً من عمر فاروق أفندي، صهر السلطان محمد السادس، ثم انتقل إلى عائلة باش تيمار، قبل أن يتحول لاحقاً إلى موقع لتصوير أعمال درامية وسينمائية تركية، ويُعرض اليوم للبيع.
أما مصطفى زكي باشا، فكان من أبرز القادة العسكريين في عهد عبد الحميد الثاني. تخرّج عام 1873، وبرز خلال الحرب العثمانية الروسية (1877 - 1878)، ما قرّبه من السلطان وفتح أمامه مساراً سريعاً في الترقي. تولى نظارة المدارس العسكرية عام 1883، ثم رُقي إلى رتبة فريق عام 1884، قبل أن يُعيّن مشيراً للطوبخانة عام 1891، وهي من أعلى المناصب العسكرية، وظل يتمتع بثقة السلطان لسنوات طويلة.
لكن مسيرته شهدت تحولاً حاداً مع إعلان المشروطية الثانية عام 1908، إذ عُزل من مناصبه في 30 يوليو/تموز من ذلك العام، تزامناً مع تصاعد الاحتجاجات ضد رجال العهد الحميدي. تشير وثائق تاريخية إلى أنه حاول الانتحار قبل اعتقاله في 5 أغسطس/آب 1908، ليُحاكم أمام ديوان الحرب العرفي، ويُجرّد من رتبه وأوسمته، وتُصادر أملاكه، ويُنفى إلى جزيرة رودس حتى عام 1911. عاد لاحقاً إلى إسطنبول بعد عفو عام 1913، ورحل عام 1914 في قصره بجزيرة بويوك أضا.
يُقدَّر سعر قصر زكي باشا بنحو 125 مليون دولار، وهو رقم لا يعكس فقط قيمة البناء، بل يشمل الموقع الاستثنائي على المضيق
تكشف الوثائق أن ثروته الكبيرة كانت محور اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ، إذ نسبت إليه ملكية عقارات عدة، منها قصر في أميرجان سُجل باسم زوجته، وأعيد لاحقاً إلى الدولة، إلى جانب ممتلكات أخرى في بي أوغلو وبورصة وغلطة وشهزاد باشي.
يفتح الحديث عن قصر زكي باشا الباب على تاريخ القصور العثمانية على ضفتي البوسفور، إذ بدأ السلاطين التوجه إلى بنائها في مراحل متأخرة نسبياً. وتشير تقديرات إلى أن عدد هذه القصور بلغ نحو 600، لم يبقَ منها بحالته الأصلية سوى قرابة 150. وغالباً ما كانت تتألف من ثلاثة طوابق، مع مراسٍ صغيرة للقوارب، نظراً إلى اعتماد النقل البحري قبل انتشار وسائل النقل الحديثة بعد عام 1926.
ومن أبرز هذه القصور قصر السلطانة أسماء الذي بُني عام 1788، ويُستخدم اليوم موقعاً للمناسبات، وقصر السلطانة خديجة الذي تحوّل إلى فندق بعد ترميمه، وقصر محسن زاده محمد باشا، وهو من الأكبر على البوسفور. كذلك يبرز قصر الوالدة أمينة نجيب باشا، وقصر الأفاعي، وقصر يوسف ضياء باشا المصري، إلى جانب قصور أخرى مثل رجائي زاده محمود أكرم، وعفيف باشا، وسعيد حلمي باشا، وقصر شاه زاده برهان الدين وهو من أفخمها.
في هذا السياق، لا يبدو قصر زكي باشا مجرد عقار فاخر معروض للبيع، بل قطعة من تاريخ سياسي ومعماري معقّد، تختصر تحولات الإمبراطورية العثمانية، وتحوّل البوسفور إلى واجهة للنخبة والسلطة، إذ تختلط القيمة المادية بالرمزية في تحديد ثمن المكان.

Related News
جيرارد: نصحت صلاح بعدم مغادرة ليفربول وسط الخلافات
aawsat
8 minutes ago