معضلة أوروبا بين واشنطن وهرمز: أزمة ثقة وتحوّل استراتيجي
Arab
3 days ago
share
مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني، تشهد العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة مرحلة من الاضطراب غير المسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، في ظلّ ضغوط أميركية مباشرة على الحلفاء الأوروبيين للانخراط عسكرياً في تأمين مضيق هرمز. لم تعد التطورات مجرد خلاف ظرفي، بل تعكس اختلالاً بنيوياً في العلاقة العابرة للأطلسي، يتجلى في أزمة ثقة عميقة وتباين متزايد في المصالح والرؤى الاستراتيجية. من الاسترضاء إلى الرفض الأوروبي خلال الأشهر الأربعة عشر الماضية من عهدة دونالد ترامب، اتسم الموقف الأوروبي بالحذر والمناورة، محاولة تجنّب الصدام مع واشنطن عبر التهدئة وتقديم تنازلات محدودة للحفاظ على التحالف التقليدي، غير أنّ الأيام الأخيرة من الحرب في المنطقة شكّلت نقطة تحول، مع صدور مواقف أوروبية ترفض صراحة مطالب واشنطن بتقديم دعم عسكري مباشر لضمان أمن الملاحة في هرمز. البيان المشترك الصادر في 19 مارس/آذار عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان وكندا أدان إغلاق مضيق هرمز وأبدى الاستعداد لاتخاذ "إجراءات مناسبة"، لكنّه ظل غامضاً وخالياً من أي التزامات عسكرية، في محاولة لموازنة احتواء الغضب الأميركي مع رفض الانجرار إلى حرب غير مرغوبة. وأوضح المستشار الألماني فريدريش ميرز أن أي تحرك لن يجري "طالما أن الأعمال العدائية مستمرة"، مؤكداً رفض الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة، ما يعكس الفرق بين اللغة الدبلوماسية والموقف العملي الأوروبي. يأتي هذا مع معارضة الرأي العام لأي تدخل عسكري جديد في الشرق الأوسط، ما يزيد معضلة أوروبا تعقيداً. فقد أظهرت استطلاعات أن غالبية الأوروبيين يرفضون المشاركة في صراعات لا تشكل تهديداً مباشراً لأراضيهم، ويطالبون بالتركيز على معالجة التحديات الداخلية والأزمات الاقتصادية وضمان استقرار الطاقة. هذا الرفض الشعبي يشكل ضغطاً مباشراً على الحكومات ويعزّز موقفها الحذر، ويحول دون الانجرار إلى مواجهة قد تُكلف القارة ثمناً باهظاً دون ضمانات نجاح أو حماية أميركية. الاختلاف على روسيا وأزمة الثقة عبر الأطلسي يتجذر التحول الأوروبي الحالي في تراجع حاد للثقة بواشنطن، بعد تراكم شكوك حول التزاماتها، من التقارب مع روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، والتراجع عن دعم أوكرانيا، وصولاً إلى تصنيف الاتحاد الأوروبي كـ"خصم" في تصريحات ترامب الداخلية. هذا الوضع يعكس تبلوراً لانعدام ثقة عميق عبر الأطلسي، إذ وصل الإحباط الأوروبي إلى حد الانفجار، وأثبت أن سياسة الاسترضاء لم تعد مجدية ولا تكافئها واشنطن. أبرز نقاط التباين تكمن في النظر إلى روسيا: بالنسبة لأوروبا، وخصوصاً دول شرقها، تمثل روسيا تهديداً مباشراً وقريباً جغرافياً، مرتبطاً بإرث تاريخي ثقيل، وعزّزته الحرب في أوكرانيا، ما يجعل أي تهاون معها مخاطرة أمنية وسياسية كبرى. أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع روسيا بوصفها خصماً استراتيجياً مهماً ضمن منافسة عالمية أوسع تشمل الصين ومناطق نفوذ متعددة، لكنها لا تشكل تهديداً مباشراً لأراضيها. هذا الاختلاف في ترتيب الأولويات يفسر حساسية الأوروبيين تجاه أي تقارب أميركي مع موسكو، كما يُفسر تردّدهم في الانخراط بحرب جديدة في الشرق الأوسط، بينما يرون أن التهديد الروسي لا يزال يتطلب تركيزاً استراتيجياً داخل القارة. حرب بلا أفق: حسابات المخاطر الأوروبية إلى جانب أزمة الثقة، تنظر أوروبا إلى التصعيد مع إيران باعتباره نزاعاً يفتقر إلى أهداف واضحة أو استراتيجية خروج محددة، كما أن احتمالات توسعه إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تشمل الخليج وإمدادات الطاقة العالمية تجعل من الانخراط فيه مغامرة عالية الكلفة وغير محسوبة النتائج. ويزداد هذا الحذر في ظلّ معارضة شعبية واسعة لأي تدخل عسكري جديد، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والتداعيات المستمرة للحرب في أوكرانيا. رغم رفضها العسكري، تجد أوروبا نفسها في موقف بالغ التعقيد بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة. إذ تستورد القارة نحو 90% من احتياجاتها من النفط والغاز، ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية لهذه الإمدادات. فأي تعطيل طويل الأمد للملاحة في المضيق قد يؤدي إلى: ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وضغوط اقتصادية على الصناعات الأوروبية واضطرابات داخلية متزايدة، وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: أوروبا بحاجة إلى فتح المضيق، لكنها ترفض الحرب لفتحه. وتتفاقم هذه المعضلة بسبب مخاوف أوروبية متزايدة من سيناريو تكرّر في أزمات سابقة: تدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة، يعقبه انسحاب مفاجئ يترك الحلفاء في مواجهة الفوضى. وقد عززت تصريحات ترامب، التي لمح فيها إلى إمكانية تدمير إيران وترك "تنظيف" التداعيات للأوروبيين، وربما أهل الخليج العربي، هذا القلق، ما جعل خيار المشاركة يبدو أقرب إلى فخ استراتيجي منه إلى شراكة متكافئة. نحو الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لم يأتِ هذا التوتر من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات امتدت على مدى عام كامل، شملت أيضاً تهديدات غير مسبوقة مثل الحديث عن "الاستيلاء" على غرينلاند، وتصاعد الخطاب العدائي تجاه الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، عاد مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي إلى الواجهة بقوة، باعتباره خياراً ضرورياً لا مجرد طرح نظري. ويشمل ذلك: تقليل الاعتماد على المظلة الأميركية، وتنويع مصادر الطاقة وصياغة سياسة خارجية أكثر استقلالاً. لكن هذا المسار لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الانقسامات داخل أوروبا نفسها، واستمرار الاعتماد على حلف شمال الأطلسي (ناتو). في المحصلة، لا تعكس الأزمة الحالية مجرد خلاف حول إيران، بل تشير إلى تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فالقارة الأوروبية بدأت تدريجياً بالانتقال من موقع التبعية الاستراتيجية إلى موقع أكثر استقلالاً، وإن كان هذا التحول لا يزال هشاً ومثقلاً بالتحديات. وبين الحاجة إلى الحماية الأميركية والرغبة في التحرّر من ضغوطها، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة تفرض عليها إعادة تعريف دورها في النظام الدولي. وهكذا، تدخل العلاقة العابرة للأطلسي مرحلة جديدة، أقل ثقة، أكثر براغماتية، وربما أكثر عرضة للتباعد، ما ينذر بإعادة تشكيل موازين القوى داخل المعسكر الغربي في السنوات المقبلة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows