Arab
تحت سماء مثقلة بالحكايات، اجتمعت فتيات من غزة، اليوم الاثنين، حول لوحاتهنّ، يحملن الريشة كما لو كانت امتداداً للذاكرة، ويجسدن رؤيتهنّ للأرض على طريقتهنّ الخاصة، التي عبرن فيها عن مدى تجذر الشعب في أرضه وقضيته وهويته. وفي مشهد اتسع ليحمل الذاكرة والوجع معاً، جاء معرض "لوحة وطن... ألوان من الهوية" الذي نظمه فريق "أرجوان" وكأنه محاولة واعية لتحويل يوم الأرض الذي يصادف 30 مارس/آذار من مجرد تاريخ إلى مساحة مفتوحة لإعادة رواية الحكاية الفلسطينية بكل تفاصيلها.
لم تعرض الفتيات في "ألوان من الهوية" فناً فحسب، بل أعدن تعريف التمسك بالأرض على نحوٍ أكثر هدوءاً وعمقاً، إذ تحولت المساحات الصامتة على الجدران إلى روايات ناطقة، جداريات تنبض بصور الأطفال، وبيوت تعود رغم الهدم، ومفاتيح لا تصدأ، كتبت إحدى الفتيات عبارة بخط جريء: "نحن هنا… لأنّ الأرض تعرفنا"، وكأنها تلخّص المعرض كله في جملة واحدة.
رسمت إحداهنّ جذور شجرة زيتون تتغلغل في الأرض حتى تكاد تعانق أسماء القرى المهجّرة، بينما صورت أخرى وجوه اللاجئين بملامح تجمع بين الحنين والتحدي، لم تكن الألوان عفوية، الأحمر كان ذاكرة الشهداء، الأخضر وعد البقاء، والأسود حكاية ليل طويل لا بدّ أن ينكسر.
وعبرت المشاركة لينا الرملاوي عن موسم الزيتون، من خلال تجسيد قصة "سلوى" وزوجها خلال حصادهما لأرضهما، إلّا أن فرحتهما بالحصاد وإنتاج الزيت لم تكتمل، إذ اقتحم الاحتلال البيت وقتل من فيه، ليمتزج الزيت بالدم. وأرفقت مع كل لوحة، قصة مرتبطة فيها، حيث جسدت المشاركة تاليا حبوش (15 عاماً) قساوة الاعتقال داخل السجون الإسرائيلية، من خلال قصة "يوسف" صاحب الـ 9 سنوات، وذكريات والده بعد عشر سنوات من الاعتقال، والتساؤل عن "كيف أصبح شكله؟ كيف أصبحت صفاته؟"، وفي الخلفية يظهر يوسف وهو يمسك بصورة والده، بينما تستند عليه والدته.
المشاركة جود ياسين (16 عاماً) رسمت شجرتَين كبيرتَين، زرعهما "الحاج أبو صالح" منذ الصغر، وقد رسمت بين الشجرات خيوط حمراء، كأنهما جسد واحد يرفض الانكسار، خلفهما كانت جرافة إسرائيلية تتربص بصمت، عاجزة عن التقدم أمام الجذور التي ضربت في عمق التاريخ، في المنتصف تدلى مفتاح العودة، لم يكن مجرد قطعة معدن بل كان سبب للصمود.
أما المشاركة أمل درويش (17 عاماً) فقد اختارت رسم سيدة عجوز، لكنها لم ترغب أن تكون مجرد لوحة لوجه، بل وطناً كاملاً، كل تجعيدة كانت تحكي قصة صبر، وكأن ملامحها تحمل وجع سنوات طويلة، أغمضت عيناها، وكأنها تعبت من رؤية كل ما مرّ عليها، ووضعت فوقها حمامة رمزاً للأمل الذي ما زال حياً.
وعبرت المشاركة راما أبو صافي (16 عاماً) عن ملامح الهوية الفلسطينية، ومنها الثوب الفلسطيني المطرز بحكايات الصمود، ومفتاح العودة الذي يرمز لعدم نسيان الفلسطينيين أرضهم وقراهم التي هجروا منها قسراً، كذلك الكوفية، والمأكولات التراثية، وزيت الزيتون، والفخار وغيرها من الرموز الهامة.
ما يميّز هذا الحدث أن الفن لم يكن للزينة، بل للمواجهة، كل لوحة كانت موقفاً، وكل ضربة فرشاة كانت رداً على محاولة الطمس والتشويه، بدا واضحاً أن هؤلاء الفتيات لا يرسمن فقط ما يرونه، بل ما يؤمنَّ به: أن الهوية لا تُمحى، وأن الأرض لا تنسى أصحابها.
كان واضحاً أن المكان صمم ليكون تجربة حسية كاملة، لا مجرد عرض بصري، إذ جسدت اللوحات مراحل قاسية من عمر القضية الفلسطينية، بدءاً بالنكبة، إلى اللجوء، وصولاً إلى التداعيات الكارثية لحرب الإبادة التي لا زالت تأثيراتها راسخة في عقول وقلوب الفتيات اللواتي عشن ظروفاً قاهرة، ولا زلن يعشنها.
إحدى اللوحات كانت عبارة عن خريطة فلسطين، وقد عكست الألوان الترابية مدى عمق اللوحة وارتباطها بالأرض، هذا الدمج بين الريشة والألوان والرمز منح الأعمال بعداً ملموساً، كأنّ الهوية ليست فكرة بل هي شيء يمكن لمسه. وضم المعرض بورتريهات للاجئين والشهداء، مرسومة بأساليب مختلفة، بعضها واقعي بتفاصيل دقيقة تكاد تنطق، وبعضها الآخر تجريدي يعتمد على تداخل الألوان لإيصال الشعور بدل الملامح، اللافت أنّ معظم العيون في هذه اللوحات كانت مرسومة بشكل مباشر نحو المشاهد، في محاولة واضحة لكسر المسافة بين العمل الفني والمتلقي، وكأنّ الرسالة تقول: "هذه الحكاية ليست بعيدة عنك".
تقول مروج الجرو من فريق أرجوان المنظم للمعرض، إنّ الفريق يستهدف الفتيات اليافعات من أجل خلق مساحة آمنة تهتم بالقضايا الخاصة بهن، عبر أنشطة فنية متنوعة، تتم بعد سلسلة من الجلسات التوعوية والتدريبية، وتبيّن الجرو لـ"العربي الجديد" أنّ المعرض الذي يضم 35 لوحة، ركز بشكل أساسي على الهوية الفلسطينية ورموزها تأكيداً على عدم السماح باندثارها وسط الظروف الصعبة والقاسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، مشددة على ضرورة التمسك بتلك الرموز كإرث فلسطيني أصيل.
وتلفت الجرو إلى أنّ المعرض الذي شاركت فيه الفتيات اليافعات جاء بعد سلسلة من اللقاءات داخل خيام النزوح، وصولاً إلى إقامته في ذكرى يوم الأرض على الرغم من كل التحديات والمعيقات تأكيداً لدور الفن في دعم القضايا الجوهرية.
المعرض أيضاً حمل بُعداً نسوياً واضحاً، فاختيار "زهرات غزة" لم يكن رمزياً فقط، بل تأكيداً لدور الفتيات في حمل الرواية الثقافية، كثير من الأعمال عكست حضور المرأة الفلسطينية كرمز للأرض نفسها ثابتة، معطاءة، ظهرت في بعض اللوحات كأم تحتضن خريطة، وفي أخرى كفلاحة تزرع رغم الركام. ما جعل "ألوان من الهوية" مختلفاً هو أنه لم يكتف يعرض الألم، بل قدم سردية متكاملة تجمع بين الفقد والأمل، لم تكن اللوحات تبكي فقط، بل تصرّ، تناضل، وتؤكد أن الهوية ليست مجرد إرث، بل فعل يومي يمارَس ويعاد إنتاجه.

Related News
"ناسا" تطلق أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ 1972
alaraby ALjadeed
11 minutes ago