Arab
لم يكن أحمد قعبور قد بلغ العشرين بعد، حين وقعت عيناه على قصيدة "أشدّ على أياديكم" للشاعر الفلسطيني توفيق زياد. أمرٌ ما في القصيدة حمله على محاولة تلحينها وتحويلها إلى أغنية. ربما شعر بالموسيقى تتدفّق في ثنايا النص، فكان له ما أراد، لحّنها وذهب إلى والده الموسيقي والعازف على الكمنجة، وأسمَعه اللحن الذي أثار دهشة الوالد وإعجابه، وقال له: "إنت مش عارف شو عملت يا أحمد".
سرعان ما انتشرت الأغنية وذاع صيتها، من دون أن يعرف كثيرون، في البداية، من هو ملحّنها ومغنيها. ظلّ قعبور يتذكّر أنّ أول تعليق قرأه في صحيفة عن الأغنية كان محتواه: "ما أجمل هذه الأغنية التي أحببناها من دون أن نعرف من هو صاحبها". لم يثر ذلك غيظه، بل ربما شعر بسعادة أنّ فنّه وصل إلى الناس قبله.
لم يقل أحمد في الشهادات التي قرأتها له أو سمعتها، ما إذا كانت أغنية "أناديكم" محاولته الأولى في التلحين، أو سبقتها محاولاتٌ أخرى بمثابة تدريبات أوليّة له، ولكنّ المؤكّد أنّها كانت نقطة انطلاقه القويّة، لتصبح الأغنية عابرة للزمن انتقلت عبر أجيال مختلفة، وستظلّ حاضرة، شهادة على زمن الحلم النبيل الذي نشأنا عليه في مقتبل أعمارنا، قبل أن تتتالى من حولنا الخيبات.
ليست المصادفة وحدها التي جعلت فلسطين الحاضر الأكبر في أغاني أحمد قعبور، إلى الدرجة التي جعلت كثيرين يعتقدون أنّه فلسطيني وليس لبنانياً، حتى إنّ محمود درويش في أولٍ لقاء جمعه مع قعبور سأله: "من أي ضيعة بفلسطين أنت يا أحمد؟"، فردّ أحمد مبتسماً: "أنا لبناني يا محمود"، ليعلق درويش: "معقولة؟.. لبناني وكلّ أغانيك عن فلسطين". جانب من سيرة قعبور قد يسلط بعض الضوء على هذا "الشغف" الفلسطيني، فقد ولد ونشأ في مكانٍ ملاصق لمخيم صبرا. أعرف هذه المنطقة جيداً، وأعرف ما تمثله لساكنيها، فقد عشتُ فيها بين أعوام 1977 – 1982، الفترة التي كان فيها "شارع الفاكهاني" في منطقة "الطريق الجديدة" في بيروت مقرّ التنظيمات الفلسطينية وجهةً ومستقرّاً للحالمين بالتغيير من بلدان عربية عدّة.
يقول قعبور إنّ والدته، الحاجة فاطمة، كانت تحرص على التسوّق من سوق مخيم صبرا، لأنّ الأسعار فيه أرخص. ورغم أنّ صبرا عُرفت بكونها مخيمّاً للفلسطينيين، لكنّه، كما قال قعبور، ضمّ لبنانيين وسوريين، وفيه تعرّف الفتى أحمد إلى ما وصفه "الشقاء" الفلسطيني، ما ساهم في تشكيل شخصيته، وجعل فلسطين حاضرة بقوّة في وجدانه. لهذا، على الأرجح، ألهمته كلمات توفيق زيّاد الذي كان واحداً ممن عُرفوا يومها بـ"شعراء المقاومة"، إضافة إلى محمود درويش وسميح القاسم وسواهما، فغنّاها.
ستجتاح إسرائيل لبنان في صيف 1982، وتحتلّ العاصمة بيروت، وترتكب المليشيا اليمينية المتطرفة المدعومة إسرائيلياً مجزرة صبرا وشاتيلا، والأخير مخيم فلسطيني آخر مجاور لصبرا. يومها كتب درويش: "صبرا تقاطع شارعين على جسد/ صبرا نزول الروح في حجرٍ/ صبرا لا أحد/ صبرا هوية عصرنا حتى الأبد". في لحظةٍ، شعر أحمد قعبور بنوعٍ من الخيبة. العاصمة محتلّة وأوصال لبنان مقطعة، والعدو بمعونة عملائه يقترف الجرائم في جنوبه، ولكنّه من روح أمه المتفائلة دائماً، المؤمنة بأنّ مآل الاحتلال وشرّه الزوال، طال الزمن أو قصر، استعاد الأمل. في تلك الظروف الصعبة، أطلق قعبور أغنيته: "يا رايح صوب بلادي"، التي خصّ فيها جنوب لبنان بالذكر: "يا رايح صوب الليطاني/ دخلك وصّل لي السلام/ صبّح أهالي النبطية/ وطل شويه عالخيام". وعن هذه الأغنية قال إنّه عندما كان تلميذاً صغيراً يدرس الجغرافيا، ضمن ما يدرس من مواد، بما فيها جغرافية لبنان، كان أستاذ الجغرافيا يقول لهم: "انتبهوا. في الامتحانات دائماً يكون هناك سؤال عن نهر الليطاني".
من يومها ظلّ الليطاني راسخاً في ذاكرة الفتى الذي غدا رجلاً وفناناً مشهوراً. وفاءً للوطن وللذاكرة، جاءت تلك الأغنية. وبعد سنواتٍ تحققت نبوءة الأم: زال الاحتلال من هناك. ولكن، لأنّ التاريخ يعيد نفسه مرّةً على شكل ملهاة، وأخرى على شكل مأساة، ها هو أحمد قعبور يغادر الدنيا بعد أن أنهكه المرض، فيما قوات العدو نفسه، لا سواه، تتقدّم ثانية نحو الليطاني إياه.

Related News
بحار روسي يغادر اليمن بعد شهور من احتجازه في هجوم حوثي
aawsat
34 minutes ago
سيسوكو يتضامن مع لامين يامال بعد حادثة العنصرية
alaraby ALjadeed
44 minutes ago