Arab
عن أيّ مفاوضات يتحدّث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن إيران؟ فالخيارات المطروحة كلّها تعود إلى النقطة نفسها، مجموعة لاءات متّصلة ببنية النظام الإيراني نفسه، وتمسّ علّة وجوده وتشعّبه في الشرق الأوسط. للوهلة الأولى، رفض الإيرانيون بحث كلّ ما يطلبه ترامب بشأن الملّف النووي والصواريخ الباليستية والوكلاء في الشرق الأوسط. مضى شهر على اندلاع الحرب، ولا تزال المطالب الأميركية نفسها على الرغم من محاولات طهران إدراج ملفّات وكلائها في المنطقة، خصوصاً لجهة تزامن وقف الحرب مع وقفها العمليات ضدّ "الحشد الشعبي" في العراق وحزب الله في لبنان. وفق هذا المنطق، يبدو جليّاً أنّ الإيرانيين يسعون إلى وقف إطلاق النار، فيما الأولوية الأميركية منصبّة على الخروج باتفاق شامل.
قبل 28 فبراير/ شباط الماضي، كان يمكن لطهران الاعتماد على سلاح الوقت، رغم أنّ العقوبات القاسية على اقتصادها دمّرت بالحدّ الأدنى علاقتها مع فئات من الشعب الإيراني. لكن إيران كانت لتتحمّل أكثر بفعل تجربتها منذ عام 1979، وأيضاً بسبب تعدّد مداخيلها في السوق السوداء. ذلك كلّه تغيّر. ما تطلبه طهران، مع تناقص ترسانتها من الصواريخ والمسيَّرات وعدم تأمين بدائل، لا يقترب ممّا يريده الأميركيون. الرفض هنا ليس في مصلحة الإيرانيين، كما أنّه أيضاً ليس في مصلحة الأميركيين والإسرائيليين، لكنّه سيدفعهما إلى التسريع في الحسم العسكري، مع ما قد يعنيه ذلك من أكلاف أكبر بكثير ممّا حصل في الشهر الأول.
من الصعب الاقتناع بأنّ شخصين، مثل رئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف ووزير الخارجية عبّاس عراقجي، باتا مفردين في صياغة القرار الإيراني على وقع تخفّي المرشد مجتبى خامنئي، واغتيال المحرّك الأساس للنظام علي لاريجاني، وتغييب دور الرئيس مسعود بزشكيان. ذلك كلّه مع تشتّت الهرمية القيادية للحرس الثوري الإيراني. من الصعب تصوّر أنّ قاليباف وعراقجي قادران على تسويق أيّ اتفاق في مؤسّسة الحرس الثوري ما لم يضمنا ولاء أكثريته، أو أقلّه؛ أن يكونا قادرين على الوصول إلى مجتبى والحصول على بركته، لأنّ تغيير النظام في إيران ليس بالضرورة أن يتّخذ شكلاً تقليدياً بقدر ما قد يكون مستنسخاً من تجربة فنزويلا، كما يرغب ترامب، أو بصورة مماثلة للإمبراطورية اليابانية التي وقّع إمبراطورها صكّ الاستسلام في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، رغم انتحار عديدين من القياديين العسكريين اليابانيين على طريقة هاراكيري (بقر البطن)، وهي طريقة انتحار مقاتلي الساموراي في التقليد الياباني. الأهم أن هيروهيتو كان "إلهاً" في ذلك الحين، لكنّ الحرب العالمية الثانية وذيولها دفعته إلى إصدار إعلان في 1946، نزع منه ومن كلّ أسلافه الأباطرة صفة "الألوهية". وبعد نحو ثمانية عقود تبدو اليابان اليوم مختلفةً للغاية عن اليابان الإمبراطورية. هنا مأزق إيران، كلّ يوم يمرّ يقرّبها من تجرّع المُرّ. لا خطّ عودةَ جدّياً إلى ما كان الوضع عليه قبل 28 فبراير. كذلك أيضاً بالنسبة إلى وكلائها في العراق ولبنان.
في غياب اللاعبين المؤثّرين، واعتماد الحرس الثوري على قتال لامركزي في بعض الأحيان، لا تبدو إيران في موقع قوي، رغم عمقها الجيوبوليتيكي. يعلم كبارها أن ذكريات الحرب مع العراق (1980 ـ 1988) تكثّفت في شهر واحد، وأنّ التغاضي عن توقيع اتّفاق يسمح بإنقاذ ما تبقّى جريمة بحقّ الإيرانيين قبل غيرهم، إذ على الرغم من أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل هما من باشرتا الحرب، غير أن القتال حتى النهاية لن يفضي إلى صمود أو نهضة شعبية إلى جانب النظام. الأسوأ أنّ الإيرانيين أطاحوا أهم الحلفاء الاستراتيجيين: الجيران في المقلب الآخر من الخليج. استهدافهم شكّل أكبر خطيئة سياسية إيرانية في هذه الحرب. أمّا حلفاؤها من الصين وروسيا، فيعقدون الصفقات مع الإدارة الأميركية لمرحلة ما بعد النظام. فعلت ذلك موسكو في دمشق وكاراكاس، فيما غابت بكين من السمَع فيهما.

Related News
«داعش» ينكأ جراح الشرق الكونغولي.. 43 قتيلا في «إيتوري»
al-ain
17 minutes ago