Arab
ساهم العدوان الإسرائيلي على لبنان في زيادة الشرخ في بنيان المجتمع الأهلي، المتفسخ أصلاً منذ الحرب الأهلية وتداعياتها في سنوات ما بعد الحرب بسبب الممارسات السياسية التي لم ترتق إلى مرتبة "الوطنية".
تقول الإحصائيات إنّ عدد النازحين اللبنانيين بات يتجاوز مليون نسمة، حتى إنه لم يعد هناك متسع للمزيد في المناطق التي يظن المهجرون أنها آمنة. هذا مع العلم أن التهجير لم يقتصر على المواطنين اللبنانيين، إذ تجاوزهم إلى الفلسطينيين في مخيمات مدينة صور الساحلية وتجمعاتها.
ولا ننسى اللاجئين السوريين الذين قصدوا لبنان في غضون سنوات حربهم الأهلية التي شهدتها بلادهم من 2011 حتى 2023، فانتقلوا إلى لبنان، إذ باتوا مقيمين بعد أن حصلوا على مساعدات أممية، أو عثروا على أعمال يحصلون منها على رزقهم اليومي. ولم يجد هؤلاء ضرورة لعودتهم إلى بلادهم مع سقوط نظام بشار الأسد، فقرروا البقاء بعدما وجدوا أن بيوتهم مدمرة وتأمين العمل في بلادهم متعذر. الآن عشرات الألوف منهم عاد والباقون أيضاً بمئات الألوف.
مليون إنسان وأكثر ضاقت بهم الطرقات والشوارع والساحات والمساحات العامة والمدارس الرسمية وغير الرسمية ومراكز الإيواء والبيوت. تمثل الاكتظاظ أولاً في العاصمة وضواحيها القريبة، ما اضطر وزيرة الشؤون الاجتماعية إلى توجيه نداء إلى المهجرين تدعوهم فيه إلى التوجه نحو شمال البلاد (طرابلس وعكار خصوصاً) أو البقاع ، لتوافر أماكن ومراكز يمكنها استقبالهم. البعض لم يرحب بفكرة من هذا النوع لأنه كما قال لا يملك وسيلة نقل، فكان أن أمنت الوزارة وسائل النقل لهم في الباصات. الفعلي أن الكثيرين يفضلون البقاء إلى جانب أقاربهم ومعارفهم الذين سبق أن قصدوا بيروت ووجدوا مستقراً فيها.
أكثر من مليون نازح لبناني تضيق بهم الطرقات والساحات ومراكز الإيواء، ووجهت وزيرة الشؤون الاجتماعية نداء للنازحين بالتوجه نحو الشمال
ومن دون الاسترسال في الحديث عن مأساة حوالى ربع سكان لبنان أكثر أو أقل قليلاً، نشير إلى أن الموضوع الذي نود مقاربته في مكان آخر، وهو يتعلق بالتوتر الاجتماعي الذي يصل في بعض الأحيان إلى حدود الانفجار في الكثير من المناطق بفعل الاحتقان الأصلي الذي يعيشه لبنان قبل القتال الأخير، أو الحرب التي فجرها حزب الله انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، عندما أطلق ستة صواريخ على مستوطنات منطقة الجليل شمالي فلسطين، وهو ما اعتبر البعض أنّ إسرائيل كانت تنتظره بفارغ الصبر، فكان أن أرفقت تهديداتها في غضون أسبوع لما لا يقل عن 120 قرية وبلدة ومدينة بإرسال أسراب طائراتها ومسيراتها تقتل و تدمر البيوت على رؤوس أصحابها. ومعه انطلق "موسم التهجير إلى الشمال" مع كل ما رافقه من إذلال على طرقات استغرق اجتيازها عشرات الساعات للوصول إلى العاصمة. ثم لم يلبث أن تفاقم الوضع مع توجيه الإنذارات إلى الضاحية الجنوبية بمن فيها من جموع تقدر بعدة مئات آلاف. وهكذا غصت معظم أجزاء البلاد بهذا السيل من البشر مع كل ما يرافق ذلك من ضغوط.
لا شك أن المهجر الذي نهض ليلاً على دوي صواريخ الطائرات تدك ما حوله فتقتل من تقتل من أهله وأقاربه، وتدمر ما تدمر، حمل معه القليل من ضرورات حياته، وكماً هائلاً من التوتر والضغط النفسي. خصوصاً أنه ينتمي إلى هذه الفئة من الناس التي كانت آمنة مطمئنة في بيوتها، مع كل ما يعنيه ذلك لها من شعور بالاستقرار وسط المجموعة التي ينتمي إليها الفرد. علينا أن نتذكر أن اللبنانيين خلال سنوات الحرب الأهلية شهدوا ما يمكن أن يوصف بأنه "فرز" سكاني، فتقوقعت طائفة على نفسها في مناطق محددة. وعليه، باتت هناك مناطق مخصوصة يقيم فيها أبناء هذه الطائفة أو تلك.
وعند التدقيق في عوامل هذا التقوقع وعناصره، نجد أن كل طائفة وجماعة بات لديها ما يتجاوز الجغرافية إلى ما يشبه ثقافتها الخاصة استناداً إلى موروث عقائدي ومذهبي يعمل عدد وافر من رجال الدين على تعزيزه في المساجد والكنائس والحسينيات والخلوات. ولأن الثقافة الوطنية قد غابت أو غيبت عندما باتت الدولة مرتعاً للمحاصصة بين قادة الطوائف، فقد تضخمت عقدة الأنا لدى كل جماعة إلى الحد الذي باتت لا تطيق العيش مع الآخرين، إن لم تعتبرهم أعداءها، التي وإن كانت لا تستطيع التخلص منهم، فعلى الأقل تقرر نبذهم أو الابتعاد عنهم. ومن هنا نشأت "الكانتونات" الخاصة.
مرت بعض جماعات الكيان اللبناني بما يوصف بأنه حالة من الـ"إحباط". لكن ما فاقم مثل هذا الوضع كان يقابله استقواء سواها بالخارج، الحاضر في المعادلات اللبنانية (السوري - الايراني وغيرهما)، أوالاستناد إلى السلاح من أجل اخضاع باقي مكونات المجتمع، بعيداً عن القوانين التي تنظم علاقات الأفراد والجماعات.
كان تغييب الدولة ودور مؤسساتها القضائية والأمنية والخدماتية ناظماً لعلاقات مكونات المجتمع، وممارسة عمليات القتل والاغتيال والتعدي، هو المناخ الذي قاد إلى الاحتقان. يصف الباحث أحمد بيضون الدولة بما صارت عليه في لبنان خلال العقود الأخيرة بأنها "الدولة الغنائمية"، فما إن تصل طائفة أو فئة إلى الإمساك بزمامها، حتى تعتبر أن عوائدها هي من حقها دون سواها بما يحرم باقي الطوائف من حقوقها في المشاركة في القرار السياسي والتوظيف، ويضرب بالقوانين وما ينص عليه الدستور من مساواة عرض الحائط. وبذلك تتربص باقي الفئات بمن باتت هذه ممارساتها في موقع السلطة كي تنقلب عليها متى تأمنت الظروف.
وكان الباحث وضاح شرارة هو أول من جزم أن اللبنانيين يعيشون حرباً أهلية ساخنة وأخرى باردة. الساخنة من خلال جولات الاقتتال (1840 و1845 و1860 و1864 و1921 و1958 و1975)، والباردة عبر فترات السلم الفاصلة عن الفتن والاقتتال. إذاً، لم يكن اللبنانيون في أحلى حالاتهم قبل محنة التهجير. ولكن كانت كل طائفة تزعم أنها راضية بما نالته، دون أن تعني حالة الفرز أن هناك صفاء طائفياً. فقد ظلت هناك الكثير من " الجزر" بقايا من مرحلة الاندماج التي سبقت العام 1975 وما تخللها من عنف. فالسُنة مثلاً ارتضوا الإقامة في المدن الساحلية (بيروت الغربية وطرابلس وعكار وصيدا وفي إقليم الخروب والبقاع الأوسط والغربي)، والمسيحيون بعموم طوائفهم في بيروت الشرقية وقسم من الجبل في المتن وبعبدا وكسروان وجبيل وزغرتا وزحلة، وتابع الدروز حياتهم في جبال الشوف وعاليه وراشيا وحاصبيا. أما الشيعة، فقد انطلقوا من مناطق وجودهم التاريخي في الجنوب (جبل عامل) وبعلبك الهرمل في شمال شرق لبنان وفي جنوب البقاع الغربي. ونتيجة ظروف اقتصادية ومعيشية وإنتاجية تتعلق بضعف مردود الزراعة واقتصاد الأطراف المستنزفة، نزحوا عنها نحو الضاحية الجنوبية لبيروت بدءاً من الشياح مروراً بحارة حريك والغبيري وبرج البراجنة وحي السلم والليلكي. وعندما ضاقت عليهم هذه الأحياء، قصدوا بيروت الغربية حيث زاحموا الطائفة السنية في أحيائها التقليدية.
انتهت الحرب الأهلية في العام 1990 مع توقيع اتفاق الطائف ووضع نصوصه في مواد الدستور، ولم يعرف اللبنانيون خلال أكثر من 35 سنة مصالحة ومصارحة، وحُكمت العلاقات بين 18 طائفة تمثل جماعاته الأهلية إلى منوعات الصراع الساخن والبارد. عزز ذلك محاولة كل فئة مغالبة سواها للحصول على الأرجحية في مواقع القرار. خلال السنوات السابقة، وتحديداً منذ رحيل القوات السورية، عرفت البلاد عمليات مد وجزر وصولاً إلى ما نحن عليه اليوم، فكيف هي الصورة راهناً؟
تتربص الفئات اللبنانية بعضها ببعض وعندما تضع مكوناتها معاً في بقعة ضيقة، فأنت تحكم عليها بالاصطدام بعضها ببعض. يقول المثل العامي "الفقر يولد النقار" . فكيف معه في ظل المزاحمة على أمكنة باتت أضيق من أن تتسع لهذه أو لتلك من الفئات. من يتجول في شوارع بيروت مثلاً لا يجد فقط الألوف المكدسين في بيوت لا تتسع لكبارهم وصغارهم، بل يجد أن المدينة تكاد تنفجر بمن فيها من مكونات. وما يصح على العاصمة يصح على سواها. والمعضلة التي تعانيها الجماعات الأهلية أن سيل المهجرين خلط المكونات بعضها ببعض، بينما قامت سلوكيات وسياسسات كل منها على الحفاظ ما أمكن على صفائها الطائفي.
يمكن للصراع أن ينفجر بسبب موقف سيارة أو سؤال عن مهجر أقام في مبنى ولم "يقدم سجله العدلي" وهويته الطائفية للسكان الذين يتخوفون من أن يكون ممن تلاحقهم المسيرات الاسرائيلية في مستقراتهم. البعض يحمّل مسؤولية ما وصل إليه لبنان للطائفة الشيعية برمتها، وبذلك تصبح الطائفة بكليتها مسؤولة، وليس حزب سياسي ينتمي فكراً وبيئة وبنية إليها.
الحوادث التي تقع في العاصمة وضواحيها تؤكد ضرورة تدخل السلطة الدائم لضبط الوضع. وهي سلطة مغلولة الأيدي وعاجزة عن القيام بأبسط مهامها، فكيف بمهمة القمع، حيث يتوجب، لوأد الفتنة. ومن يدخل إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي يجد نفسه في غابة حرب أهلية كاملة. فهذا لديه منزل يريد تأجيره إلى مستأجر من الطائفة هذه أو تلك. وذاك يحدد سلفاً المبلغ المطلوب أو يشترط عدد أفراد الأسرة ولباسهم. فاذا كانت واحدة من النسوة ترتدي ما يسمى "لباساً شرعياً"، فلا داعي لأن تتقدم للحصول على هذا المأجور، حتى لو دفعت ضعف السعر المطلوب. باتت العائلات تعيش حالاً من الرعب من أن "يتسلل" أحد المطاردين من المسيّرات الإسرائيلية إلى شقة يصادف أنّ له قريباً منه فيها، ولذلك تتشدد في معرفة الداخل والخارج من المبنى. ولأنّ الجميع على أعصابه، سرعان ما تندلع المناقرات لدى أي سؤال أو احتكاك.
هذا المناخ تعمل إسرائيل على دفعه نحو حدوده القصوى من خلال موجات التهجير التي تطلقها تباعاً. بداية بالشريط الحدودي، ثم جنوب نهر الليطاني، ثم شماله ، ثم جنوب نهر الزهراني ثم شماله، فضلاً عن البقاع الغربي.
يومياً تدفع إسرائيل بعشرات الألوف نحو العمق اللبناني بذريعة مواجهة حزب الله، بينما الفعلي أنها تعمل على تفكيك المجتمع اللبناني من خلال تجميع عناصره القابلة للتفجير في بوتقة ملتهبة واحدة عاجزة عن التقاط خطورة المرحلة ومواجهتها بما تستحق من عقلانية ووعي وممارسات.
(باحث وأكاديمي)
