بين التهميش والتضييق: عن المجتمع المدني في تونس
Arab
1 week ago
share
في ظل انشغال الرأي العام بمتابعة مجريات الحرب على إيران، تم اعتقال منظّمي اسطول الحرية في تونس. وباستثناء بعض بيانات محتشمة ووقفات احتجاجية صغيرة مرّ الحدث كأنما لم يحدث. لم تكن هذه المرّة الأولى التي تعرّض فيها ناشطون ضمن مبادرات أو جمعيات مدنية للإيقاف والمحاكمة ضمن السياق العام لخيارات السلطة التونسية ما بعد 25 يوليو/ تموز 2021، رغم أن نشاط الجمعيات والمنظمات التي تندرج ضمن مسمّى عام هو "المجتمع المدني"، إلا أنها تختلف وتتفاوت إلى حد التناقض بين الجمعيات النسوية والجندرية والجمعيات الخيرية والدينية والأخرى ذات المنحى الحقوقي والمنزع السياسي، إلا أن ما يجمع بينها هو حالة انعدام الوزن لدى الشارع التونسي. ولا يمكن نفي أهمية القضايا التي تتبنّاها هذه الجمعيات، سواء في عملها الحقوقي أو التضامني مع الفئات المهمّشة، إلا أنها ظلت تمارس من دون وعي أو ربما عن عمد لدى بعضها سياسة الوقوف على الحافّة وعدم الانغماس ضمن الحراك المجتمعي بشكل واضح، رغم اهمية تأثير بعض هذه المنظمات وتشعّب علاقاتها الدولية. ربما كانت تونس من الدول العربية القليلة التي احتفظت بمساحةٍ آمنة لنشاط المنظمات المدنية، حتى في ظل الأنظمة السلطوية المتعاقبة. وكانت السياسة المعتمدة زمن بورقيبة ثم بن علي التضييق على هذه المنظّمات ومنعها من التمدّد أفقيا في المجتمع، مع إبقاء قيادتها ناشطة على الأقل لتقديم صورة جيّدة عن النظام في الخارج، بوصفه يحترم النشاط المدني. والحقيقة أن قيادة هذه المنظمات استمرأت هذا النمط من التعامل، كأنما وجدت فيه ضالتها في نوعٍ من التعاقد غير المعلن، حيث تنشط رابطة حقوق الإنسان أو الاتحاد العام للشغل أو جمعية النساء الديمقراطيات، وتجمع التمويلات لنشاطها، ولكنها تظل ضمن حدودها المتفق عليها، فلا هي تدين السلطة ولا السلطة تقترب من مصادر دخلها. كانت تونس من الدول العربية القليلة التي احتفظت بمساحةٍ آمنة لنشاط المنظمات المدنية، حتى في ظل الأنظمة السلطوية المتعاقبة بعد ثورة 14 يناير (2011) وصدور المرسوم 88 لسنة 2011، توسّع نشاط الجمعيات المدنية، وتمدّد الى كل المجالات، وتوسّع نفوذ بعضها لتصبح طرفاً في صياغة الدستور وتحديد السياسات، بل ورعاية الحوار الوطني بين الأحزاب. كان الدور أضخم مما تقدر عليه هذه المنظمات، بسبب قلة كوادرها المدرّبة وغياب الرؤية الاستراتيجية لنشاطها المجتمعي وانخراطها في لعبة المكايدة السياسية، بسبب خضوع بعضها لأحزاب سياسية صغيرة استطاعت أن تُحكم قبضتها عليها. بعد "25 يوليو" (2021)، وجدت هذه المنظّمات نفسها في مواجهة خيار سياسي جديد، يرفض الأجسام الوسيطة بكل تشكيلاتها، سواء الحزبية او المجتمعية، وينظر بريبة إلى الجمعيات باعتبارها مشبوهة الأهداف والتمويل. وبالنظر إلى انقطاع هذه المنظمات عن الشارع، وجدت نفسها فجأة في حالة عزلة لتواجه قرارات السلطة من دون أدني حزام شعبي، بل وعلى العكس وجدت جمهوراً واسعاً يؤيد السلطة في توجّهاتها نحو محاسبتها بوصفها جهاتٍ تتلقّى تمويلا خارجيا، وتخدم أجندات مشبوهة ترقى بها الى وصم الخيانة. اكتسب مصطلح "المجتمع المدني" في تونس تهمةً سياسيةً، ارتبطت غالباً بجهود إرساء الديمقراطية، أو على الأقل ضمان نوع من الاستقلالية عن السلطة وهكذا تم تجميد جمعيات، مثل جمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وموقع "نواة" الإعلامي. ومثلما استفادت هذه المنظمات في السنوات الماضية من المرسوم 88 لسنة 2011 الذي يسمح لها بتلقّي تمويلات وإعانات خارجية لأنشطتها في إطار برامج تعاون وتدريب، فقد كان هو المدخل الذي اعتمدته السلطات الحالية لمحاسبة هذه المنظّمات بتهم تبييض الأموال والتهرّب الجبائي والتجاوزات المالية المختلفة، وهي التهم نفسها الموجّهة إلى نشطاء أسطول الصمود ومنظّميه الذين جرى إيقافهم أخيراً، رغم أن الخطاب الرسمي يردّد بشكل دائم أنه يدعم القضية الفلسطينية، ولا يمنع أي نشاط مؤيد لها. غير أن السياق العام الذي يناهض كل أشكال النشاط المدني المستقل عن السلطة جعل من هؤلاء الناشطين هدفا للمحاسبة والاعتقال. وبعيداً من كونه مفهوماً محايداً، اكتسب مصطلح "المجتمع المدني" في تونس تهمةً سياسيةً، ارتبطت غالباً بجهود إرساء الديمقراطية، أو على الأقل ضمان نوع من الاستقلالية عن السلطة، ولكن هذه المنظمات ظلت دوماً الحلقة الأضعف، سواء للاستقطاب من الأحزاب السياسية أو للاستهداف من السلطة، وهو ما جعلها دوما تعاني ثنائية: التوظيف زمن الحرّيات والتضييق زمن الحكم السلطوي، وهي في الحالتين لا تخرج عن دائرة التهميش.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows