عربي
علينا أن نقر اليوم بأن قضية الفرنسية جيزيل بيليكو Gisèle Pelicot التي كان زوجها يخدرها ثم يستدرج رجالا لاغتصابها لم تكن حالة فردية أو معزولة أو شاذة، بل ثمة أمارات تدل على أن هذا السلوك الإجرامي بدأ ينتشر هنا وهناك، ويثير الرعب في نفوس الزوجات والشريكات. فأنى للواحدة أن تخلد للنوم في بيتها "رمز الأمان" وإلى جانب من يُفترض أن يكون السكن والعشير والسند و"الحامي".. لتكتشف بعد سنوات أنه مجرم استباح جسدها وانتهك كرامتها وتلاعب بمشاعرها وقهرها.
فبعد إغلاق السلطات الفرنسية بعض المواقع التي تتاجر بالمخدرات وتستقطب الأطفال وتعرض أجساد النساء ضحايا التخدير والاغتصاب، ظهر موقع إلكتروني جديد لتعليم الاغتصاب وبيع مواد مخدرة استطاع أن يجذب خلال الأشهر الماضية انتباه مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من مختلف البلدان حتى بلغ عددهم في شهر فبراير/شباط 62 مليون شخص. وما كان بالإمكان التفطن لهذا الموقع لولا اعتراف طليق البريطانية زوي واتس Zoé Watts بأنه ظل لسنوات كثيرة يخدرها ثم يصور مراحل اغتصابها لينزل في ما بعد الفيديو على الموقع مقابل 20 دولاراً للمشاهد الواحد. وهنا حُق لنا أن نتساءل: لمَ صار هذا السلوك الإجرامي يستهوي العديد من الرجال؟
يكشف تحقيق شبكة CNN أن الرجال الذين يخدرون زوجاتهم أو شريكاتهم ثم يعتدون عليهن جنسيا لهم أهداف متعددة: منهم مجموعات تفضل التكسب من أجساد النساء بدل العمل والتكسب لأهلهم، ومنهم جماعة كارهة للنساء تلتذ بمشاهدة فيديوهات تجرّد فيها هؤلاء من القدرة على الفعل والنطق، ومنهم مجموعة ترى في هذا السلوك مدعاة للترفيه عن النفس و"اللعب بالنساء" في عالم أضحى فيه اللعب بالقيم والمعايير والقوانين متفشيا.
غير أن ما يجمع بين هؤلاء المجرمين أنهم صاروا، في نظر اللاهثين وراء الإثارة والفرجة، أبطالا وأصحاب معرفة وخبرات. فهم يبتكرون أشكالا جديدة من الممارسات لإيذاء النساء وتشييئهن وتحويل أجسادهن إلى مساحات للتشفي والانتقام.. إننا إزاء شبكة ذكورية منظمة يتبادل فيها الرجال الذين تجردوا من إنسانيتهم فيديوهات "sleep porn" والنصائح والتجارب والخبرات وكذلك الهوامات الجنسية والمشاعر.. يبتهجون لأنهم توصلوا بعد لأي إلى تصميت النساء المنددات بالاغتصاب الزوجي والمناديات بفرض الرضا في الحياة الجنسية، ويسرّهم أن لا تتمكن النساء الساعيات إلى فضح المعنفين تأثرا بحركة Me Too من إثبات الجريمة فلا شهود إلا "الخلان" الذين تجمعهم متعة الفرجة و"مديح الكراهية" وقيم التضامن الذكوري.
إن تأسيس أكاديمية لتعليم فنون اغتصاب الزوجة أو الشريكة في الفضاء الحميم، وصناعة المغتصب المحترف الماهر في "الإخضاع الكيميائي" لا معنى له سوى أننا دخلنا مرحلة توحش الإنسان وعُريه.
إن انتهاك حقوق النساء: الحق في الأمان والسلامة والكرامة والصحة النفسية والجسدية وغيرها ليست مشكلة خاصة بالنساء، بل هي قضية تخص الرجال الذين احترفوا ممارسة هذه الأشكال من العنف المبني على النوع الاجتماعي، وهي أيضا مشكلة تخص المجتمع ككل. قد يرى البعض أن هذه الظاهرة موصولة إلى حركات مؤيدة للذكورية والبطريركية وكره النساء وهي رد على النسوية الراديكالية والغاضبة، وقد يعتبرها البعض الآخر علامة على أزمة الرجولة وبحث الرجال عن وسائل لاستعادة الهيمنة الذكورية والرقابة على النساء والتحكم في مصائرهن. ولكن مهما تباينت الآراء، فإن هذه الجرائم الجنسية الموجهة إلى القرين تحولت إلى ظاهرة خطيرة. ولولا شجاعة بعض النساء وإقدامهن على تقديم شهاداتهن والتعبير عن مشاعر الحنق والغضب والسخط وفقدان الثقة... لما أمكن توعية سائر النساء بهذا الخطر الداهم وتحرك الناشطات من أجل تحميل الدول مسؤولياتها في فشل برامج التصدي للعنف الذي يستهدف النساء وتكريسها للإفلات من العقاب. فكلما أغلقت منصة فتحت أخرى ليشد الرجال إليها الرحال.