عربي
قضت محكمة تونسية، مساء الخميس، بسجن الصحافي البارز زياد الهاني لمدة عام، على خلفية تصريحات انتقد فيها قضاة أصدروا أحكاماً بسجن صحافيين آخرين. وتزامن الحكم مع دعوة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السلطات التونسية إلى "إنهاء القمع" الذي يستهدف منظمات المجتمع المدني والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وشخصيات المعارضة.
وأوقف الصحافي التونسي، المعروف بانتقاداته للرئيس قيس سعيّد، في 24 إبريل/نيسان، بعد فتح تحقيق على خلفية تصريحات أدلى بها خلال ندوة عامة خلال الشهر نفسه، ندّد فيها بسجن صحافيين "ظلماً" بقرارات صادرة عن قضاة وصفهم بـ"المجرمين".
وحُوكم زياد الهاني بموجب بند قانوني يعاقب "بالسجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات"، وأفادت لجنة "الحرية لزياد الهاني"، في بيان، بأنّ "الحكم بسنة سجن صدر بسبب رأي وموقف عبّر عنهما في إطار عمله"، ونُقل عنه، في بيان من داخل السجن، قوله إنّ محاكمته "غير شرعية… لا أعترف بها ولا بأي نتائج تتمخض عنها، ولن أقوم باستئناف الحكم الصادر ضدي".
وسبق أن صدر بحق الهاني، عام 2024، حكم مع وقف التنفيذ لمدة ستة أشهر بالتهمة نفسها، بعد دعوته إلى إقالة وزير التجارة السابق خلال برنامج إذاعي.
ومنذ تفرّد قيس سعيّد بالسلطة في صيف 2021، تندّد منظمات حقوقية بتراجع الحريات في تونس، إذ يقبع حالياً العشرات من منتقديه خلف القضبان. وفي هذا السياق، قال تورك في بيان، الخميس، إن "استمرار القمع والقيود المفروضة على الحيّز المدني من السلطات التونسية يقوض حقوق الأشخاص المحمية بموجب دستور البلاد والتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان"، ودعا إلى "الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين أو المسجونين بسبب التعبير عن آرائهم المحمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ورفع جميع القيود التعسفية المفروضة على حرية التعبير والجمعيات".
وفي بيان، أدانت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس، والقاضي بسجن زياد الهاني لمدة سنة. وأوضحت النقابة أن إحالة الهاني تمت بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات الذي وصفته بـ"قانون بن علي"، وهو "نص زجري يعود إلى فترة الاستبداد"، وأكدت أن القضية تتصل مباشرة بحرية الرأي والتعبير والعمل الصحافي، وتمثل "استهدافاً خطيراً لحرية الصحافة ومحاولة لتجريم التعبير عن الرأي".
ورأت النقابة أن مواصلة توظيف النصوص الزجرية لمحاكمة الصحافيين خارج إطار المرسوم عدد 115 لسنة 2011، المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، تمثل "انحرافاً خطيراً بالقانون وتوظيفاً تعسفياً للقضاء"، في سياق سياسة ممنهجة تستهدف الأصوات الحرة والآراء النقدية، كما اعتبرت أن تكرار ملاحقة زياد الهاني ومحاكمته على خلفية آرائه ومواقفه الإعلامية يشكل "تنكيلاً قضائياً"، خصوصاً أنه يواجه للمرة الثانية أحكاماً سالبة للحرية في أقل من ثلاث سنوات.
وحذّرت النقابة من الانعكاسات الخطيرة لهذا المناخ على واقع العمل الصحافي وحرية التعبير في تونس، مشيرة إلى أن التتبعات القضائية والملاحقات المتكررة أسهمت في تكريس مناخ من الخوف والرقابة الذاتية، بما يؤثر سلباً على جودة النقاش العام وعلى حق التونسيين في إعلام حر وتعددي ومستقل.
وجددت النقابة تضامنها الكامل مع الهاني وعائلته، داعية إلى الكفّ الفوري عن محاكمة الصحافيين على خلفية آرائهم أو أعمالهم، واحترام الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الصحافة، واعتماد المرسوم عدد 115 إطاراً قانونياً وحيداً لقضايا النشر، ووضع حد لتوظيف القوانين الزجرية لتقييد العمل الصحافي واستهداف الأصوات المستقلة، كما دعت الصحافيين والقوى الديمقراطية والحقوقية والمدنية إلى مواصلة الدفاع عن حرية الصحافة باعتبارها ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي وضمانة لحرية التعبير وحق المواطنين في النفاذ إلى المعلومة.
وقبل صدور الحكم، قال مدير مكتب شمال أفريقيا في منظمة مراسلون بلا حدود، أسامة بوعجيلة، إنّ "زياد الهاني خلف القضبان لمجرد أنه دافع عن زميل صدر بحقه حكم ظالم، ودافع بذلك عن حرية الصحافة"، وأضاف بوعجيلة أن "اللجوء إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات في مواجهة صحافي ليس مجرد إجراء غير متناسب، بل يكشف عن انحراف جليّ في بلد باتت فيه القوانين أداةً لإسكات أصوات الإعلاميين الناقدين"، مطالباً بـ"الإفراج الفوري عن زياد الهاني واحترام الإطار القانوني لحرية الصحافة"، ورأت "مراسلون بلا حدود"، في بيانها الأربعاء، أن استعمال الفصل 86 من مجلة الاتصالات، "الموروث من عهد بن علي والمتضمّن عقوبة بالسجن تصل إلى عامين، في مواجهة صحافي، يكشف عن استمرارية مثيرة للقلق: ترسانة قمعية لم يتم التخلي عنها فعلياً قط. ومن أدواتها أيضاً المرسوم عدد 54 الذي كثيراً ما يُحرَّف عن هدفه الأصلي في مكافحة الجرائم الإلكترونية ليُستخدم عائقاً أمام العمل الصحافي، إلى جانب مضايقة وسائل الإعلام المستقلة، وتجميد منح بطاقات الصحافيين المحترفين".
وتعكس هذه القضية تراجعاً أوسع في مناخ حرية الصحافة في تونس التي تراجعت إلى المرتبة 137 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن "مراسلون بلا حدود"، بعد أن كانت في المرتبة 129 عام 2025، ويشمل هذا التراجع مختلف المؤشرات السياسية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
ومنذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيّد في صيف 2021، تحذّر تقارير حقوقية من تضييق متزايد على الإعلام، سواء عبر استخدام نصوص قانونية موروثة من عهد زين العابدين بن علي، أو عبر المرسوم عدد 54، إلى جانب ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية تطاول الصحافيين ووسائل الإعلام، كما أشارت "مراسلون بلا حدود" إلى تنامي خطاب موالٍ للسلطة داخل المشهد الإعلامي، وتزايد الملاحقات القضائية، وحملات التشويه والترهيب، في سياق ينعكس سلباً على استقلالية الصحافة وجودة النقاش العام.
