عربي
يواجه اليمن، الغارق في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تحديات اقتصادية غير مسبوقة جراء تداعيات الصراعات الإقليمية والتوترات المتصاعدة في الممرات المائية الحيوية. هذه الأحداث، التي ارتبطت بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية، أفرزت واقعاً مأساوياً يتمثل في الارتفاع القياسي لتكاليف الشحن البحري، وتأمين الإمدادات، وأسعار الوقود، الأمر الذي انعكس سلباً على قطاع الزراعة.
زراعة اليمن في مهب الريح الإقليمية
تشهد اليمن حالياً تحولات لافتة في السياسات الاقتصادية، حيث تركز السلطات المعنية، سواء في عدن أو صنعاء، على تحفيز الإنتاج الزراعي بوصفه خياراً استراتيجياً لتحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي وتقليص فاتورة واردات الغذاء التي تلتهم معظم النقد الأجنبي. إلا أن هذه الارتدادات الاقتصادية لا تتوقف عند حدود الغذاء المستورد الجاهز، بل تمتد لتضرب قلب الإنتاج المحلي.
ويعود ذلك إلى التبعية الهيكلية للمدخلات الزراعية؛ فالمزارع اليمني يعتمد بشكل كلي تقريباً على مدخلات مستوردة، بدءاً من البذور المحسنة والأسمدة الكيماوية وصولاً إلى المبيدات والمعدات والوقود اللازم للري. هذا الارتباط العضوي بالأسواق العالمية يجعل الإنتاج الزراعي والحيواني المحلي عرضة للهزات الخارجية، مما يهدد بتراجع الإنتاج ويضاعف من فجوة الأمن الغذائي التي تعانيها البلاد منذ سنوات.
التحدي السيادي
في تصريح خاص لـ "العربي الجديد"، أوضح وكيل وزارة الزراعة والري والثروة السمكية لقطاع التخطيط والمعلومات في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مساعد أحمد القطيبي، أن "التوترات الإقليمية الحالية، بما في ذلك التداعيات المرتبطة بالصراع مع إيران، لم تكن تأثيراتها بعيدة عن اليمن. بل انعكست مباشرة على الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي الهش".
ويشير القطيبي إلى أن القطاع الزراعي يتعرض لضغوط متزايدة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والأسمدة. ويضيف: "ارتفاع أسعار الوقود لم يضاعف كلفة الإنتاج فحسب، بل ضرب القدرة التشغيلية للمزارعين في العمق، خاصة في عمليات الري والنقل التي تعد عصب العملية الزراعية. وفي المقابل، فإن الارتفاع القياسي في أسعار الأسمدة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد العالمية يهدد بتقويض جدوى الزراعات البديلة التي نعول عليها لتقليل الاعتماد على الاستيراد".
ويختم القطيبي حديثه بالتحذير من أن التحدي اليوم لم يعد فنياً أو زراعياً بحتاً، بل هو "تحدٍّ سيادي"، حيث إن استمرار هذا الوضع يعني زيادة هشاشة الأمن الغذائي ما لم يتم التحرك على مستويين: داخلي عبر تبني سياسات جادة لدعم الطاقة البديلة (كالطاقة الشمسية) والإنتاج المحلي، وخارجي عبر مطالبة المجتمع الدولي بتحييد قطاع الغذاء والزراعة عن الصراعات الجيوسياسية ودعم الدول الهشة.
الفجوة الغذائية
في الجهة الأخرى، يرى الخبير الاقتصادي رشيد الحداد أن هناك تركيزاً استراتيجياً من قبل سلطة صنعاء على القطاع الزراعي بوصفه جزءاً من رؤية "الاقتصاد المقاوم". وفي حديثه لـ "العربي الجديد"، يشير الحداد إلى أن السلطات في صنعاء بدأت منذ فترة طويلة سياسة التدرج في تحقيق الاكتفاء الذاتي وإنهاء الفجوة الغذائية، في نظرة استشرافية لمواجهة أزمات الإمدادات العالمية.
وتطرق الحداد إلى الإنجازات المحققة في هذا الإطار، حيث تم إيلاء اهتمام كبير بإنتاج البذور المحلية وتخزينها وتوسيع الرقعة الزراعية في أودية تهامة وذمار والجوف. وبحسب الحداد، وصلت الجدوى الاقتصادية للهكتار الواحد في محافظة الجوف إلى 4 أطنان من القمح.
هذه القفزة في الإنتاجية ليست محصورة في القمح فقط، رغم أهميته القصوى لمواجهة فاتورة استيراد تصل إلى 3.1 ملايين طن سنوياً، بل شملت أيضاً الخضراوات والفاكهة والحبوب التقليدية كالذرة البيضاء والدخن. ويشدد الحداد على أن هذه السياسة تهدف إلى توطين المنتجات وتشغيل خطوط إنتاج للصناعات الغذائية المحلية لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية المتقلبة.
ورغم الأرقام الرسمية الطموحة، يبقى الواقع الميداني للمزارعين مليئاً بالعقبات، إذ يؤكد مزارعون يمنيون أن أزمة الأسمدة والبذور تمثل "كابوساً" يتكرر مع بداية كل موسم زراعي.
من جانبه، يرى أستاذ الزراعة النباتية بجامعة صنعاء، أمين الحكيمي، أن الحل الجذري لهذه المعضلة يكمن في "الاعتماد على الموارد المحلية المتاحة وتحسينها". ويشير في حديثه لـ "العربي الجديد" إلى أن اليمن يمتلك استراتيجيات كامنة في كل قطاع يمكن تنميته، خاصة في جانب إنتاج البذور والأسمدة العضوية والمحلية، لتقليل الارتهان للاستيراد الذي يجعل رغيف الخبز رهينة لقرار سياسي أو صراع عسكري في الطرف الآخر من العالم.

أخبار ذات صلة.
تركيا تكافح تراجع الخصوبة... هدف وجودي
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة