عربي
يتجه مصرف ليبيا المركزي إلى إصدار كميات جديدة من العملة الورقية، في محاولة لاحتواء أزمة السيولة وضمان استمرار دورة المدفوعات في اقتصاد يعتمد بشكل واسع على النقد. وذكرت وسائل إعلام محلية أن المصرف يخطط لإصدار نحو 30 مليار دينار من فئة العشرين دينارًا، على أن تبدأ عمليات التوريد تدريجيًا اعتبارًا من يونيو/حزيران، وتُستكمل خلال النصف الثاني من العام، في إطار مساعٍ لتعزيز توافر النقد داخل الفروع المصرفية وتسهيل عمليات السحب. ولم يوضح المصرف المركزي ما إذا كان هذا الإصدار يمثل زيادة فعلية في عرض النقود، أم يندرج ضمن عمليات إحلال نقدي للأوراق التالفة، وهو عامل حاسم في تقييم الآثار الاقتصادية المحتملة، خصوصًا على التضخم وسعر الصرف.
ويأتي هذا التوجه في ظل ضغوط متزايدة على السيولة، إذ تشير بيانات رسمية إلى اتساع حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تحولًا في سلوك الأفراد نحو الاكتناز والتعامل النقدي المباشر، مقابل تراجع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وضعف الثقة في البنوك.
وفي هذا السياق، قال المصرفي محمد الغرياني لـ"العربي الجديد" إن إصدار العملة الجديدة إجراء فني يستهدف بالأساس معالجة اختلال توزيع السيولة داخل الجهاز المصرفي، أكثر من كونه توسعًا حقيقيًا في الكتلة النقدية، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الأموال متوافر بالفعل لكنه خارج القنوات الرسمية. وأضاف أن التحدي لا يكمن في نقص السيولة بقدر ما يكمن في ضعف آليات استرجاعها إلى المصارف، في ظل استمرار تفضيل الأفراد الاحتفاظ بالنقد في المنازل أو تداوله بشكل مباشر.
غير أن هذا الطرح لا يحظى بإجماع، إذ أشار الخبير المالي عبد الناصر الميلودي بحديث لـ"العربي الجديد" إلى أن الإشكال أعمق من مجرد توزيع السيولة، ويتعلق بما وصفه بـ"تسرب النقد"، حيث تخرج الأموال من المصارف فور ضخها عبر السحب المكثف أو انتقالها إلى السوق الموازية. وأوضح أن هذا السلوك يعكس خللًا هيكليًا في الثقة، ويجعل أي زيادة في السيولة ذات أثر مؤقت، إذ سرعان ما تعود الأزمة للظهور في شكل طوابير ونقص حاد في النقد داخل الفروع.
في المقابل، اعتبر المحلل الاقتصادي عبد السلام الورفلي، بحديثه إلى "العربي الجديد"، أن ضخ السيولة يظل خيارًا ضروريًا على المدى القصير لتفادي شلل اقتصادي، خاصة في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على النقد لتلبية احتياجاتها اليومية. وأضاف أن أي انقطاع في تدفق السيولة لا ينعكس فقط على النشاط الاقتصادي، بل يمتد ليخلق ضغوطًا اجتماعية مباشرة، ما يجعل السلطات النقدية أمام خيار صعب بين الاستقرار المالي والاستقرار الاجتماعي.
لكن هذا التوجه لا يخلو من مخاطر، إذ حذر الخبير الاقتصادي أحمد أبولسين بحديث لـ"العربي الجديد" من أن التوسع في إصدار العملة دون وجود زيادة موازية في الإنتاج المحلي أو الاحتياطيات الأجنبية قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية متزايدة. وأوضح أن الاقتصاد الليبي، بحكم اعتماده الكبير على الاستيراد، يتفاعل بسرعة مع أي زيادة في السيولة عبر ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، ما قد يؤدي إلى تراجع قيمة الدينار في السوق الموازية وتآكل القدرة الشرائية.
وتشير بيانات مصرف ليبيا المركزي إلى أن حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بلغ نحو 59 مليار دينار بنهاية عام 2025، مقارنة بـ48 مليار دينار في 2024 و43.1 مليار دينار في 2023، في مؤشر على تسارع ظاهرة الاكتناز النقدي واتساع ما يمكن وصفه بـ"الاقتصاد النقدي الموازي".
وفي السياق ذاته، لفت الخبير الاقتصادي طارق الصرماني بحديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن اللجوء المتكرر إلى طباعة العملة يعكس عجزًا مزمنًا لدى المصارف في تلبية الطلب على السيولة، مشيرًا إلى أن هذه السياسة قد تُسهم، على المدى الطويل، في ترسيخ سلوك الاكتناز بدلًا من معالجته. وأضاف أن استمرار هذه الحلقة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الجهاز المصرفي والاقتصاد الحقيقي، ما يضعف فعالية الأدوات النقدية التقليدية.
ومن زاوية أكاديمية، أوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي علي الشريف، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الربط بين طباعة العملة المحلية وتحسن سعر الصرف يُعد تبسيطًا مخلًا من منظور النظرية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن زيادة عرض النقود تؤدي عادة إلى ارتفاع الطلب الكلي، بما يعزز الضغوط التضخمية ويزيد الطلب على العملات الأجنبية لأغراض الاستيراد أو التحوط. ولفت إلى أهمية التمييز بين الطباعة الإحلالية، التي تقتصر على استبدال الأوراق التالفة ولا يكون لها أثر يُذكر على الأسعار، والطباعة التمويلية التي تُستخدم لتغطية الإنفاق العام، والتي تؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية وارتفاع مستويات التضخم.
وتعاني ليبيا من أزمة سيولة مزمنة منذ سنوات، رغم عائداتها النفطية، إذ يضطر المواطنون إلى الوقوف في طوابير أمام المصارف للحصول على رواتبهم، في مشهد يعكس اختلالًا عميقًا في توزيع السيولة وضعف الثقة في الجهاز المصرفي.

أخبار ذات صلة.
التوترات في المنطقة تصدم زراعة اليمن
العربي الجديد
منذ 26 دقيقة