عندما يصير اللجوء تهمة
عربي
منذ يوم
مشاركة
هل توجد معارك جانبية في زحمة التناقضات الحادة الجارية في سورية؟ ولماذا يتحوّل كلّ حادث أمني أو تصريح رسمي أو نقاش عام إلى معارك حادة؟ الجميع يشهر أسلحته التي، ربما، لا تتعدى الرأي أو الكلمات، وأحياناً بعض الأمنيات أو التصوّرات. يحتدم الصراع اليوم ما بين السوريين والسوريات، حيث الاستقطاب في أقصى درجاته. وهنا ثمّة سؤال يطرح نفسه: هل ثمّة سوريات مُتعدّدة؟ فغالبية أهل الداخل، أو من بقي في سورية، والقليلون الذين عادوا إليها بعد سقوط الأسد، يتعاملون مع السوريين في الخارج، وخاصّة من يحمل صفة لاجئ بإقصاء قاسٍ لا يخلو من الصمت. صمتٌ تجاوز التوقّف عن الكلام ليحمل بصمات ترهيب وتخوين واتهامات واستنهاض لتفاصيل في الذاكرة، يُعاد ترتيبها وتقديمها بصورة معيّنة كي تؤذي أكثر، وتصيب مقتلاً في الطرف الآخر. يحاول البعض أن يصوّر مساحة الصراع وتفاصيله وكأنّها مجرّد معارك فيسبوكية، وكأنّ الدنيا خارج حدود فيسبوك جنة آمنة مُزدهرة بالعيش المشترك والسلام والأمان والتواصل الودي، لكنها في الحقيقة هي جملة من الصراعات موجودة على الأرض، في البيوت وبين شركاء الثورة أنفسهم، حدّ أن وصلت المعارك إلى طرد بعض الموظفين من أعمالهم، مرفقة بمحاولات لنبش عداوات قديمة بين العائلات وإذكائها بحقد مُضاعف وتوجهيها لتحرق وتدمّر من باتوا يرونه خصمًا. قالت إحداهن لجارتها: نحن نعرف أنّ الكثير من الأخطاء تحدث، وبعضها مقصود، لكننا سعداء ونشعر بالقوّة التي حُرمنا منها. ثمّ نصحتها بأن تسافر إلى أربيل وتنتظر هناك كي تلحق بولديها في أستراليا. كما اشتكت صديقة من أنّ صديقتها قاطعتها نهائياً في قطيعة مُفاجئة، بعد أن ألغت كلّ أدوات التواصل، حتى إنّها لم تقم بتعزيتها بوفاة والدها. يحاول البعض تصوير المشهد وكأنّه مجرّد انقلاب طبيعي في موازين القوى. وبالتالي، فإنّ ارتداداته ستطول الطرف الأضعف حكماً. لكن، وخاصة في بعض العائلات، ممّن شهدت عبر تاريخها زيجات متنوّعة من طوائف مختلفة، باتت هذه الزيجات بوابةً للتنابذ أو للإقصاء، بل إنّ بعضهن طالبن إخوتهن بتطليق زوجاتهم لأنّهن من طائفة مختلفة. عندما تُعمّم سياسة عدم المحاسبة يعم التجاهل، ويشكّل كل طرف في الجهة المقابلة تهديداً شخصياً، حتى وإن كان خارج هذا الاستقطاب هذا الصراع الحاد ليس اختراعاً بشرياً صرفاً ولا محاولةً لإعادة رسم خريطة الطريق، كلّ بحسب مكامن قوّته الراهنة وحسب اصطفافه. بل يمكن وصفه بأنّه ارتداد لشكل التعامل المركزي مع الواقع، فعندما تُعمّم سياسة عدم المحاسبة يعم التجاهل، ويشكّل كلّ طرف في الجهة المقابلة تهديدا شخصيًا، حتى وإن كان خارج هذا الاستقطاب. بل وقد يكون هذا الشخص ساعياً لتثبيت العُرى التي تفكّكت وباتت قابلة للتهتّك بصورة نهائية وسريعة. نعم، لا يمكن التعميم، لكن لا يمكن تجاهل التغيرّ الحاد في شكل الاعتراض، في حجم التهويل، في محاولات لجم الآخر، عبر عدم سماع روايته لصالح رواية وحيدة على الجميع الانصياع لمطلقيها، والصمت المطلق. يمكن القول إنّ المساحة المشتركة لم تعد تعني الوطن السوري باختلافاته وتنوّعه، بل تعني حصرياً التجمّعات القائمة على لون واحد، إما للتحصين بدافع الخوف وإمّا للاستقواء، بفعل فائض القوّة. تندرج تحت هذا العنوان محاولات تعميم فكرة مفادها أنّ اللاجئين لا يحقّ لهم التدخّل في أحوال البلد ومُجرياته اليومية، فقط لأنهم يعيشون في الخارج. وهذا السعي لتسكيت اللاجئين المُعترضين، فقط لأنهم غائبون، هو إنكار فعلي لدورهم الحقيقي في مساندة أهلهم اقتصاديًا، وفي إنعاش الاقتصاد المُتدهور، فكلّنا يعرف أنّ الحوالات الشهرية تشكّل رافداً أساسياً لحياة السوريين في الداخل، وفي أدوارهم المُجدية سابقاً في دعم الثورة.  ما بين اللجوء والبقاء، مع أنهما واقع مستمر منذ خمسة عشر عاماً، تبرز محاولات محمومة لإشغال الجميع عن الخوض في الشأن العام، لينقسم المشهد بين لاجئين ينبغي عليهم الصمت، وباقين ينقسمون إلى تجمّعات مُنكفئة لأنها عاجزة أو خائفة، وأخرى تستثمر فيما أفرزه الواقع الجديد علّها تفرض حضوراً مُنفرداً وقسرياً، والكلّ خاسرون.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية