الذكاء الاصطناعي والتشريعات... من يضع القواعد؟
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
حين أعلن أينشتاين خشيته من "اليوم الذي ستتجاوز فيه التكنولوجيا تفاعلنا البشري حيث سيكون للعالم يومئذ جيل من البلهاء"، لم يكن يتصور أن تتحول هذه الخشية إلى إشكالية قانونية وتشريعية في زمن الذكاء الاصطناعي، تشغل برلمانات الدول الكبرى، وهيئات الأمم المتحدة، والفاتيكان في وقت واحد. يستحضر إبراهيم محمد الزنداني، الأستاذ المختص في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والجرائم الإلكترونية، هذا الاقتباس في مستهل كتابه "الذكاء الاصطناعي في مسطرة التشريعات والمعاهدات الدولية" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026)، ليحدد إطار بحثه، قبل أن يفصّل الأوامر التنفيذية واللوائح التنظيمية. ولعلها التفاتة تذكّر القارئ بأن الرهان ليس تقنياً بحتاً، وإنما حضاري. بيد أن السؤال الذي يقوم عليه الكتاب فعلياً ليس فلسفياً، إنه سؤال السلطة، ومفاده: من يضع قواعد اللعبة، ومن يطبقها على الآخرين دون أن يلزم بها نفسه؟ ثمة تفصيلة في مقدمة الكتاب تستحق التوقف، إذ يقرّ المؤلف بأن البحث في مصادر الدول الفاعلة عرّض حواسيبه لهجمات وبرامج تجسس، وأن أحد المتخصصين الصينيين الذي استشاره رفض ذكر اسمه خوفاً مما قد يترتب على تقديم الاستشارة في بلده. لدينا إشارتان عابرتان تقولان (بما لا تستطيع الوثائق الرسمية قوله) إن المعرفة الحقيقية بما تفعله الدول الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي محفوفة بالمخاطر، وإن الشفافية التي تتدثر بها هذه الدول في خطابها العلني تتبخر حين تقترب من تفاصيل التطبيق الفعلي. ربما تكون الصفحات المخصصة للسياق العربي الأكثر جرأة وصراحة الكتاب ليس دراسة أكاديمية تُقرأ بهدوء في مكتبة، بل وثيقة كُتبت في خضم المعركة، إذ المعلومة ذاتها باتت مجال صراع، في الحصول عليها، واستثمارها، وتصنيعها، واحتكارها، وفرض قيم الهيمنة في أشكال متحولة من الاستعمار. منطق تراكمي يتوزع الكتاب على خمسة فصول تتدرج بمنطق تراكمي يبدأ بالتأريخ الفلسفي لمفهوم الذكاء الاصطناعي في الأرشيفين الغربي والشرقي، ثم في الأرشيف الإسلامي، مدخل يشير إلى ضرورة تجذير النقاش ثقافياً قبل الانتقال إلى آليات الحوكمة. ثم يمضي في الفصل الثاني نحو ما هو أشدّ استفزازاً حين تدخُل الفاتيكان وبطريركية موسكو على خط التشريع، إذ يكشف أن ما بدا حواراً دينياً أخلاقياً تحول تدريجياً إلى تنافس بين قطبين كنسيين على النفوذ الرمزي في عصر التكنولوجيا. الدين هنا ليس خارج السياسة، هو امتداد لها بأدوات أخرى. الفصول الثلاثة التالية تشكل العمود الفقري التوثيقي بشأن تشريعات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ثم روسيا والصين، وأخيراً البعد العربي. ولا يكتفي المنهج بالعرض، وإنما يرفق كل محطة بقراءة تقييمية تحلل الفجوات وتطرح أسئلة لا تريح أحداً. وتظهر الإشكالية المركزية للكتاب في سؤال يبدو بسيطاً وهو في الحقيقة شديد التعقيد حول ازدواجية معايير الدول الفاعلة، قانونياً وأخلاقياً، في مجال الذكاء الاصطناعي. يجيب الزنداني بأن التشريع في هذا الملف ليس بحثاً عن العدالة، بل أداة في خدمة التنافسية الاستراتيجية. ولنأخذ هنا نموذج أوروبا الذي يقدم نفسه درعاً لحماية الإنسان، ثم نجد الزنداني يطرح سؤاله المحرج مباشرة: حين يفرض قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي غرامات تصل إلى 7% من إيرادات الشركات المخالِفة، وهو رقم غير مسبوق، من يستفيد من هذه الغرامات؟ هل تصل تعويضاً للمتضررين أم تؤول إلى خزائن الدول؟ إذن، يحوّل هذا الغموض المقصود هذه العقوبة من أداة عدالة إلى مورد مالي، ويكشف أن الاتحاد الأوروبي يصدر معاييره على العالم بينما يعفي مؤسساته الكبرى فعلياً من الخضوع الكامل لها خارج حدوده. والنموذج الأميركي لا يخرج من هذه المعادلة بسمعة أفضل. ثمة أوامر بايدن التنفيذية لتنظيم الذكاء الاصطناعي ألغيت في اليوم الأول من رئاسة ترامب الذي رأى فيها قيداً على التنافسية الأميركية. ولا يعكس التقلب اختلافاً في الرأي فحسب، بل يكشف أن الولايات المتحدة لم تبنِ بعد توافقاً مؤسسياً حقيقياً حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، وأن ما يسمى "سياسة" في هذا الملف هو في أحيان كثيرة انعكاس لموازين القوى بين الإدارة التنفيذية وشركات التقنية الكبرى، لا مشروعاً وطنياً متماسكاً. يغيب صوت الباحثين والمطورين والناشطين في حقوق التقنية الاستراتيجيات العربية ربما تكون الصفحات المخصصة للسياق العربي الأكثر جرأةً وصراحةً، مع إقرار الزنداني بأن الوثائق الصادرة عن الإمارات وقطر والسعودية تمثل خطوات مهمة، لكن فاعليتها تبقى منقوصة في غياب تدابير واضحة لتحديد المسؤوليات القانونية، وآليات تعويض، وتنظيم فعلي للأنظمة عالية المخاطر. وبالنسبة إليه فإن الاستراتيجية التي لا تمتلك أدوات إلزامية هي في جوهرها بيان نيات، لا نظام حوكمة. هل تمتلك الدول العربية أجندة مستقلة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي، أم أن وثائقها المعلنة هي في معظمها مشتقة من النموذج الغربي بمصطلحات محلية ولافتات وطنية، في حين تظل قواعد اللعبة الحقيقية تكتب في بروكسل وواشنطن وبكين وموسكو؟ يطرح الكتاب هذا السؤال ضمنياً دون أن يقدّم إجابة صريحة، وهذا في حد ذاته موقف. فجوة بين الوثيقة والإنسان اختار الكتاب منهجاً توثيقياً، يحلل الوثائق الرسمية من قوانين وأوامر تنفيذية ومراسيم، ويضعها تحت النقد. هذا الاختيار منحه دقةً وموثوقيةً، إلا أنه جعله يقف عند حدود النص المكتوب ولا يذهب إلى ما وراءه. فالكتاب هنا يجيد قراءة ما كتبته الدول، دون أن يسائلها عما فعلت. القوانين تصدر والمراسيم توقّع، لكن من يراقب التطبيق؟ ومن يقيس الأثر على المجتمعات الحقيقية؟ كذلك يغيب صوت الباحثين والمطورين والناشطين في حقوق التقنية، الذين قد يملكون رؤية مغايرة لما تُعلنه الوثائق الرسمية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية