عربي
يستدعي الهجوم الجديد في مالي الذي نفذته جبهة تحرير أزواد بالتنسيق مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة (جنيم)، مراجعةً لطبيعة التنظيمات الناشطة في هذا البلد، والتي تشهد تمدداً قوياً للجماعات المتطرفة في منطقة الساحل، تتقاسم في ما بينها نفوذ "القاعدة" و"داعش".
وظلّت الساحة المالية تعج بالتنظيمات السياسية المسلحة متعددة المرجعيات والمطالب، بعضها ترتبط مطالبه بتمثيل قبلي عرقي، ويستند بعضها إلى العامل المناطقي والإثني للطوارق، المرتبط بمطالب منطقة الشمال المتمردة على السلطة المركزية في باماكو منذ عام 1963، قبل أن تدخل في العقود الأخيرة تنظيمات أخرى ذات بعد "جهادي" متشدد، تتميز بعبور جغرافي نتيجة ضمّها لعناصر من دول مختلفة، حيث ظلت ثمانية تنظيمات تلعب دورا في تطورات الساحة المالية وعدم استقرارها حتى الوقت الحالي.
ظلت ثمانية تنظيمات تلعب دورا في تطورات الساحة المالية وعدم استقرارها حتى الوقت الحالي
الحركات الأزوادية في مالي
قبل عام 2024، كانت منطقة شمال مالي تضم أربع حركات سياسية أزوادية ومسلحة، تمثل منطقة الشمال القريبة من الجزائر، وذات الغالبية من السكان الطوارق إضافة الى مجموعات سكانية عربية ومن الفلان، وهي الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ومجموعة إمغاد وحلفاء للدفاع عن النفس، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية لأزواد. خاضت هذه الحركات فترات مواجهة مع الحكومة المركزية في مالي، حتى توقيع اتفاق الجزائر للسلام عام 2015، والذي كانت كل هذه الحركات شريكة في مساره السياسي والاندماجي.
لكن الانقلاب العسكري الذي استجد في باماكو في مايو/أيار 2021، والاتجاه الذي اتخذته السلطة الانتقالية في مالي، وقرارها في سبتمبر/أيلول 2023، إلغاء العمل باتفاق الجزائر للسلام، وسعيها للسيطرة المركزية على مدن الشمال، واستعانتها بـ"فاغنر" الروسية، دفع حركات الأزواد الأربع، إلى اتخاذ خطوة حاسمة، في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين أعلنت حلّ نفسها وإنشاء كيان سياسي عسكري موحد، تحت مسمى "جبهة تحرير أزواد"، وتحت قيادة سياسية وعسكرية وراية واحدة. وقد تمّ ذلك خلال مؤتمر عقد بين 26 و30 نوفمبر في منطقة تين زواتين، قرب الحدود الجزائرية المالية، شاركت فيه أبرز القيادات الأزوادية مثل بلال آغ شريف ومحمد مولود رمضان والعباس آغ أنتيلا ومحفوظ آغ عدنان وغيرهم، من الكوادر التي تلقت تعليمها في الجزائر وفي موريتانيا وفرنسا وبريطانيا، وأعلنت الجبهة عن نفسها "الممثل الشرعي الوحيد لشعب أزواد".
ساعد توحيد الحركات في جبهة واحدة ودمج كل الكتائب المسلحة تحت راية "الجيش الأزوادي الموحد"، في خوض سلسلة مواجهات مع قوات الجيش المالي و"فاغنر"، خاصة في معركة إبريل/نيسان 2025، قبل أن تبدأ الجبهة التحضير للهجوم الكبير الذي شنته السبت، والذي سمح لها باستعادة السيطرة على مدن الشمال، والعودة إلى ما قبل 2023. ولهذه الجبهة علاقات وثيقة بالجزائر، والتي تتعامل معها بما هي طرف أساسي في أي مسار سياسي في مالي، وتتبنى هذه الحركات المرجعية التقدمية في إطار محافظ، أخذاً بعين الاعتبار طبيعة المجتمع المحلي في مناطق أزواد. وقبل عام 2024، كانت حركات هذه الجبهة تتبنى مطالب تتعلق بالحصول على آلية الحكم المحلي في مناطق الشمال، في إطار الدولة المالية، لكنها غيرت مطلبها المركزي بعد الوحدة إلى مطلب الانفصال الكامل وتأسيس دول أزواد، وصممت علماً خاصاً بها.
غيرت حركة أزواد مطلبها المركزي إلى مطلب الانفصال الكامل وتأسيس دول أزواد، وصممت علماً خاصاً بها
جماعات عابرة للجغرافيا
يبرز في الخريطة المالية، في الكفة الثانية، تنظيم مسلح آخر، يستبعد البعد الجغرافي والمناطقي، ولكنه عابر للجغرافيا على نهج الجماعات المتشددة، ويسعى إلى إنشاء ما يصفها بـ"دولة الشريعة"، وهو تنظيم "جماعة أنصار الإسلام والمسلمين"، الذي تشكل في مارس/ آذار 2017، من تحالف أربعة تنظيمات متشددة، وهي كتيبة "المرابطون" التي تتمركز في منطقة غاو، وهي من أكثر التنظيمات دموية، ومن قياداتها الحسن الأنصاري وعبد الرحمن الموريتاني، وتعد المسؤولة عن عملية اقتحام منشأة الغاز تيقنتورين في ولاية أليزي جنوبي الجزائر في يناير 2013، وخطف الدبلوماسيين الجزائريين السبعة من قنصلية غاو شمال مالي عام 2012، وكتيبة إمارة الصحراء التابعة لـ"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، التي تنشط على تخوم الحدود بين كل من النيجر ومالي مع الجزائر، وكان يقودها يحيى أبو الهمام وقاضي التنظيم عبد الرحمن الصهناجي، إضافة إلى "كتائب ماسينا" (ظهير عرقي لقومية الفلان في شمال مالي) التي يقودها المالي محمد كوفا.
أعلنت هذه التنظيمات مبايعتها زعيم "القاعدة" (السابق) أيمن ظواهري وزعيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" أبو مصعب عبد الودود (قتلته القوات الفرنسية في يونيو/حزيران 2020)، وتمت تزكية إياد آغ غالي على رأس قيادة التنظيم، وهو شخصية سياسية متمردة كان قاد تمرد الطوارق في كيدال شمال مالي بين 1990 و1995، عمل بعد التوصل إلى اتفاق سلام، دبلوماسياً لمالي في جدة السعودية، بين عامي 2005 و2008، قبل أن يعود إلى شمال مالي ليؤسس تنظيم "أنصار الدين" المتشدد، والذي يتبنى تطبيق الشريعة، قبل أن يتحالف مع باقي التنظيمات المقربة من "القاعدة". في مارس 2020، أعلن رغبته في الحوار والتفاوض مع الحكومة المالية، لكنه عاد إلى خيار المواجهة بعد انقلاب مايو 2021.
في الهجوم الأخير، أقرت جبهة الأزواد بوجود تنسيق ميداني لها مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". ويبرر القيادي في جبهة أزواد محفوظ آغ عدنان لـ"العربي الجديد" ذلك، بأن "هذا التنسيق لا يرتبط فقط بتقاسم الهدف نفسه، وهو إسقاط النظام في باماكو، ولكن أيضاً لأن الجزء الأكبر من "نصرة الإسلام" يتحدرون من مناطق شمال مالي ومن نفس القبائل الأزوادية والعربية وغيرها، وتعرضت مناطقهم لنفس ممارسات من الجيش المالي".
تحالف "القوى من أجل الجمهورية المالي" يطالب بالإطاحة بالسلطة الانتقالية وفتح مرحلة انتقالية مدنية وجمهورية
إضافة إلى هذين الكتلتين من التنظيمات التي انصهرت في تحالفين مركزيين، يبرز تحالف سياسي هو تحالف "القوى من أجل الجمهورية المالي"، والذي يضم شخصيات معارضة في الخارج بينها الإمام محمود ديكو المقيم في الجزائر، الرجل الأكثر تأثيراً في الساحة المالية والذي كان قاد حراك الشارع قبل انقلاب مايو 2021. أعلن عن تأسيسه في ديسمبر الماضي، ويحظى بثقل سياسي وشعبي لافت، حيث يطالب بالإطاحة بالسلطة الانتقالية التي يقودها الجيش (الذي كان أعلن تعليق عمل كلّ الأحزاب)، وبفتح مرحلة انتقالية مدنية وجمهورية وإعادة الشرعية لمؤسسات الدولة، وإعادة بناء الجيش في إطار جمهوري، مع إطلاق حوار وطني شامل يتيح العودة إلى النظام الدستوري، وإعادة بناء الدولة على أساس وحدة البلاد.
تظهر هذه الخريطة وجود تقاسم والتقاء كل هذه التنظيمات عند نقطة واحدة وهي السعي لإسقاط النظام القائم، لكنها تتباين بشكل كبير في أهدافها القصوى. إذ يطرح تحالف "القوى من أجل الجمهورية"، نفسه بديلاً للسلطة الانتقالية في مالي، في إطار وحدة التراب المالي، بينما تتبنى حركات الأزواد المطلب الانفصالي. أما "أنصار المسلمين" فله هدف إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة في كل مالي، وقد سبق للتنظيمات المشكّلة له أن حاولت بناء هذا النموذج بعد السيطرة على مدن الشمال غاو وكيدال وغيرها في مارس 2012، لكن بعض المراقبين يؤكدون أن كل هذه التنظيمات قابلة للاحتواء السياسي في حال توفرت ظروف مساعدة لحوار مالي - مالي يعيد تركيز تفاهمات سلام وحفظ الاستقرار في شمال مالي خصوصاً، بدعم إقليمي ودولي.

أخبار ذات صلة.
الرقابة والفساد
العربي الجديد
منذ 36 دقيقة