عربي
يستعدّ الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد أن عقد مؤتمره الاستثنائي قبل أقلّ من شهر، للاحتفاء بعيد العمّال العالمي، ولكن المناسبة ستكون مختلفة تماماً عن سابقاتها. كان الاتحاد يعدّها مناسبةً لاستعراض قوته، فيعمد إلى تعبئة استثنائية لقواعده مقارنةً بالمناسبات الأخرى، مستنفراً إيّاهم لمعاركه اللاحقة، وهي كثيرة. ينتظر الاتحاد سنوياً موعدَين مهمَّين: أوّلهما إحياء ذكرى اغتيال مؤسّسه، وأحد زعماء الحركة النقابية العربية والأفريقية، فرحات حشّاد، الذي اغتالته يوم 5 ديسمبر/ كانون الأول 1952 منظّمة اليد الحمراء، وهي تنظيم إرهابي سرّي شكّله المستعمرون في بداية الخمسينيّات. اعتاد الاتحاد تنظيم مظاهرة حاشدة، تنطلق من مقرّه في وسط العاصمة باتجاه ضريحه المحاذي لقصر الحكومة بالقصبة. والسير على الأقدام في مسيرة جماهيرية، ورفع شعارات ينتقيها المنظمون بكل عناية، من شأنهما أن يبلّغا رسائل الاتحاد إلى الخصوم، وعموم الطبقة السياسية، والحكومة التي يجاور مقرّها ضريح الشهيد، فتصل إليها هتافات النقابيين.
خرج الاتحاد من كرم مرحلة الانتقال الديمقراطي وسعته، وساهم في تخريبها نتيجة فائض القوة والغرور
المناسبة الثانية عيد العمّال. فخلال عشرية الانتقال الديمقراطي، التي أُغلق قوسها، كان الاتحاد يستغلّ هذه المناسبة مسرحاً لاستعراض قوّته الفائضة أيضاً. كلّ سنة، ومن شرفة قلعته الحصينة، يلقي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بيانه المعتاد الذي ينقسم بين محورَين كبيرَين: أوّلهما المسألة الاجتماعية التي عادةً ما تُختزَل في مطالب مجحفة لم تراعِ مطلقاً وضع البلاد، وتحصل بمقتضاها على زيادات خيالية وصلت إلى حدّ العبث، خصوصاً في قطاعات حسّاسة على غرار النقل والصحّة والتعليم، حتى إنّ بعض المنح، والعلاوات، وصلت إلى مبالغَ تجاوزت تقريباً كتلة الأجور الأصلية للعمّال، فضلاً عن ترقيات سوريالية شملت العديد من المهن، وخصوصاً في القطاع العام. استُنزفت موارد الدولة في تلك الزيادات، علاوة على تسويات ما يناهز مائتي ألف في وضع مهني هشّ. أمّا المحور الثاني، فهو ما عُرف في أدبيات الاتحاد بالمسألة الوطنية التي تفيد ضمنياً الشأن السياسي الذي غدا للاتحاد فيه القول الفصل، بل إنّه امتلك، من دون غيره من المنظّمات الوطنية، حقّ الفيتو، وقد رفعه في وجه الحكومات حين تشكّلها أو تعيين الوزراء، إلخ. والغريب أنّ الاتحاد تمتّع بحصّص في حكومات ما بعد الثورة كلّها، ثلاث أو أربع حقائب وزارية، حتى غدا الاتحاد محجّةً للزعماء السياسيين والوزراء الذين يطمحون إلى لعب دور سياسي أو لتجنّب إقالات نتيجة غضبه عليهم. الكلُّ يخطب ودَّه، وهو "الخيمة" التي يأوي إليها الجميع طوعاً أو كرهاً. غير أنّ الاتحاد نسي حكمة أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس: "لكلّ شيء إذا ما تم نقصان/ فلا يغرّ بطيب العيش إنسان ... هي الأمور كما شاهدتها دول/ ومن سرّه زمن ساءته أزمان".
خرج الاتحاد من كرم مرحلة الانتقال الديمقراطي وسعته، وساهم في تخريبها نتيجة فائض القوة والغرور، ما إن جاء الرئيس قيس سعيّد، وهو الذي لا يؤمن أصلاً بالأجسام الوسيطة. ورغم مساندة الاتحاد له في إثر الانقلاب الدستوري في 25 يوليو/ تموز 2021، فإنّه لم يغفر للاتحاد مساعيه لأن يكون فضاءً للحوار الوطني، بحسب مبادرته في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2021، فضلاً عن محاولته تعديل دستور الثورة قبل أن يلغيه سعيّد لاحقاً.
لم يتوقّع الاتحاد أن يذهب الرئيس سعيّد بعيداً في تحجيم الاتحاد، وهو الذي ألمح مراراً إلى أن شبهات فساد تطاول قياداته، ولكن فات الأوان؛ إذ سرعان ما انتقل الرئيس، بعد انتخابات 2024، إلى طور آخر من تحجيمه، وبسرعة قصوى، إذ عمد إلى إيقاف الاقتطاع الحكومي على أجور أكثر من 750 ألف عامل في القطاع العام. كانت الدولة منذ عقود طويلة تعمد إلى اقتطاع مبالغ بشكل آلي من أجور هؤلاء وإنزالها في حسابه. جرى ذلك بعد أن عمدت الدولة أيضاً إلى إيقاف منحة عمومية كانت تُرصد له من الصناديق الاجتماعية، على غرار بقية المنظّمات الوطنية الكبرى مثل اتحاد الفلاحة، واتحاد الصناعة والتجارة، واتحاد المرأة.
عمدت الدولة إلى إيقاف منحة عمومية كانت تُرصد للاتحاد من الصناديق الاجتماعية
تأتي هذه الإجراءات، التي كادت تجفّف موارد الاتحاد المالية، بعد إنهاء نظام التفرّغ النقابي الذي كان يُعفى بموجبه مئات النقابيين من الهياكل الوسطى والعليا للشأن النقابي، فيما تتولّى الدولة صرف أجورهم. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل عمدت الدولة إلى زيادات دورية في الأجور كلّ ثلاث سنوات وبشكل أحادي، سواء للموظّفين العموميين أو للعاملين في القطاع الخاص. وبهذا ألغت عملياً الدور الاجتماعي للاتحاد، وهو الذي كان يخوض معارك وسلسلة من المفاوضات الشاقّة لتتوّج في النهاية باتفاق على زيادة في الأجور، فيبدو مكسباً من مكاسبه النضالية. ها هو النظام يسحب البساط من تحت أقدام الاتحاد، ويبادر هو إلى الزيادة، فتُحسَب مكسباً من مكاسب "الدولة الاجتماعية" التي يُبشّر بها سعيّد، علماً أن السلطة السياسية قد منعت، بموجب منشور، أيّ مسار تفاوضي بين الاتحاد والوزارات أو المؤسّسات العمومية.
يمرّ الاتحاد بأزمة وجودية حادّة، ولا أدري إن كانت القيادة التي صعّدها مؤتمره أخيراً تعي خطورتها وتبعاتها أو لا، فإذا كان الاتحاد قد فقد دوره الاجتماعي في التفاوض لتحسين أجور منخرطيه وظروفهم، واستبعد تماماً من لعب أيّ دور سياسي وطني تجاوزاً، علاوة على تجفيف منابعه المالية التي شحّت إلى حدّ كبير، فإنّ الأمر، باعتقاد كاتب هذه السطور، لن يظلّ على حاله كثيراً. ستُكسر هذه الحلقة المفرغة... ولكن بأيّ ثمن، وضمن أيّ شروط؟... تأبى الطبيعة الركود.

أخبار ذات صلة.
بينالي فينيسيا وأميركا وإسرائيل
العربي الجديد
منذ 8 دقائق