عربي
تحوّل إطلاق رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مشروع "ذا سباين" (The Spine) العقاري الأسبوع الماضي، بحضور عدد من الوزراء وقيادات الدولة، من مجرد إعلان استثماري ضخم تقيمه إحدى الشركات الخاصة بشرق القاهرة على مساحة تبلغ نحو 520 فداناً، إلى اختبار حقيقي لنموذج التنمية الذي تتبنّاه حكومة مصر.
وتسبب الاحتفاء الحكومي الواسع بالمشروع المملوك لرجل أعمال مقرّب من السلطة، وبث فعالياته مباشرة على القنوات الفضائية ومواقع الصحف الرسمية، باعتباره أكبر المشروعات التي تشهدها البلاد، باستثمارات تُقدر بنحو 1.4 تريليون جنيه، أي ما يزيد عن 26 مليار دولار، في إثارة موجة انتقادات حادة من خبراء اقتصاد وبرلمانيين شككوا في أرقامه وجدواه وأولوياته.
الرؤية الحكومية
ترى الحكومة أن هذه المشروعات تمثل قاطرة سريعة للنمو وإعادة تشكيل العمران، إذ قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن المشروع، الذي تطوره مجموعة طلعت مصطفى (TMG)، يمثل نموذجاً للمدن الذكية ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل، معتبراً أنه جزء من استراتيجية الدولة لإعادة توزيع السكان وخلق مراكز عمرانية جديدة شرق القاهرة، إلى جانب تحقيق عوائد ضريبية ضخمة تتجاوز 800 مليار جنيه على مدى عمر المشروع (الدولار = نحو 52.7 جنيهاً).
وأضاف رئيس الشركة المالكة للمشروع، هشام طلعت مصطفى، أن المشروع "ليس مجمعاً سكنياً تقليدياً، بل مدينة متكاملة" تضم 165 برجاً سكنياً وإدارياً وتجارياً، مع بنية تحتية ذكية وشبكة لوجستية تحت الأرض، مشيراً إلى أن استثماراته الكلية ستصل إلى 1.7 تريليون جنيه، وسيبدأ العمل الفعلي به خلال أسابيع، ليجري تسليم الوحدات خلال خمس سنوات، بينما يستغرق تنفيذ المشروع بالكامل أكثر من عقد.
ولم يحدد المطور العقاري قيمة الوحدة السكنية ولا المتر المربع بها، مكتفياً بقوله إن الأسعار ستكون مرتفعة نسبياً لتعكس طبيعة المشروع كمركز أعمال واستثمار، بينما ذكر مسوقو المشروع، الذين شرعوا في ترويج عمليات البيع فور انتهاء جلسة الافتتاح الرسمية، بأن سعر الوحدة سيكون مقوماً بالدولار بحدود دنيا تُقدر بنحو 15 مليون جنيه.
شكوك حول الأرقام والمفاهيم المالية
أثارت أرقام الاستثمارات المعلنة تهكم عامة المصريين الذين يعانون من تراجع أوضاع المعيشة وصعوبة الحصول على سكن يناسب دخولهم، كما أثارت حفيظة خبراء الاقتصاد الذين رأوا في عرضها مبالغة لا تتوافق مع الواقع؛ إذ يرى الخبراء أن الرقم المعلن لا يعكس "استثماراً فعلياً" بقدر ما يشير إلى إجمالي قيمة المبيعات المتوقعة طوال عمر المشروع المقدر بعشر سنوات، وهو ما يثير تساؤلات حول دقة الخطاب الرسمي المستخدم في ترويج المشروعات العقارية التي تنفذها الحكومة ورجال الأعمال الواقعون في دائرتها.
في هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي والأكاديمي ياسر حسان إن مصطلح "إجمالي الاستثمارات" المستخدم في الإعلان عن المشروع يفتقر إلى تعريف دقيق، موضحاً في تقرير أصدره نهاية الأسبوع الماضي أن ما يُقدم للجمهور غالباً ما يكون أقرب إلى "إجمالي المبيعات" وليس رأس المال المستثمر، وهو ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى "تضخيم الصورة الحقيقية للمشروع". واعتبر حسان أن الرقم المعلن (1.4 تريليون جنيه) كاستثمارات إجمالية مرّ على رئيس الحكومة مرور الكرام من دون تقديم تعريف واضح حول ما إذا كان قيمة استثمارات أم إجمالي مبيعات أو تكلفة.
ويشير حسان إلى أن الحديث عن قدرة المشروع على توفير 155 ألف فرصة عمل واستقبال عشرات الملايين من الزوار يظهر أرقاماً غير منطقية مقارنة بحجم ومساحة المشروع الذي سيقام في منتصف مجمع "مدينتي" السكني الذي يديره المطور بالفعل منذ 20 عاماً، والذي لم يحقق هذه النتائج، مبيناً استغلال ضعف فهم الجمهور للمصطلحات المالية لعرض أرقام غير منطقية بمزيج من المبالغة والتسويق الدعائي. وتؤكد تقديرات حسان أن المبيعات الإجمالية قد تصل إلى 1.7 تريليون جنيه، في حين يظل رأس المال الفعلي جزءاً محدوداً من هذا الرقم، يتم تمويله عبر مزيج من مقدمات الحجز والقروض والشراكات، من بينها مشاركة مؤسسات مصرفية حكومية.
مشاركة البنوك الحكومية في مصر
في السياق ذاته، أكدت مصادر مصرفية لـ "العربي الجديد" أن تسويق الحكومة للمشروع باعتباره من أكبر الاستثمارات العقارية في تاريخ مصر وإبراز مساهمته المحتملة في إيرادات ضريبية بقيمة 800 مليار جنيه (ما يمثل 1% من الناتج الإجمالي سنوياً)، هو جزء من تبرير مشاركة البنك الأهلي الحكومي في رأسمال المشروع الذي لم يُكشف عنه رسمياً حتى الآن. وأشار المصدر إلى أن تحديد نسبة مشاركة البنك الحكومي بـ 24% من دون الكشف عن تفاصيل رأس المال المصدر أو المستثمر هو جزء من "تعمية الرأي العام"؛ حيث سيكون مجمع "ذا سباين" جزءاً من المشروع الأم للشركة القابضة (TMG) في "مدينتي"، بما يجعله في غير حاجة لكيان جديد يحمل اسمه في مصلحة الشركات، وإنما يجري تكييف وضعه القانوني كأحد مكونات "مدينتي".
وأكد المصدر أن الهدف من ذلك هو تحويل المديونية التي حصلت عليها مجموعة طلعت مصطفى من البنك الأهلي على مدار الأعوام الأربعة الماضية (والتي تُقدر بنحو 30 مليار جنيه وظفت في شراء فنادق القطاع العام التاريخية بضمان إيرادات "مدينتي") لتتحول تلك الإيرادات إلى السيولة التي سيحتاجها المشروع الجديد لإتمام التنفيذ. وتراهن الحكومة على قدرة المطور التسويقية لجذب الاستثمار العربي والأجنبي والمصريين في الخارج للشراء بالدولار، ضمن رهان الدولة على تحويل العقارات الفاخرة إلى "صناعة تصديرية".
وأضاف المصدر أن دخول بنوك حكومية كشركاء يعني عملياً توظيف أموال المودعين في أصول عقارية طويلة الأجل بدلاً من قطاعات إنتاجية تولد صادرات وعملة صعبة.
مستحقات عالقة
تصطدم هذه الرؤية بانتقادات أوسع؛ حيث كتب الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن دعم الحكومة لمثل هذه المشروعات يعكس توجيهاً متزايداً للموارد نحو القطاع العقاري، مقدراً أن ما يصل إلى 20% من الناتج المحلي يتجه لهذا القطاع، وهو ما وصفه بـ "الاختلال الخطير". وفي مقابلة مع "العربي الجديد"، أكدت الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي أن هذا التوسع المبالغ فيه يعكس تحول الخلفية المهنية لرئيس الوزراء (وزير الإسكان سابقاً) لتصبح سياسة دولة تتوسع في البناء بوتيرة تفوق القطاعات الإنتاجية.
برلمانياً، حذر النائب أشرف أمين، عبر طلب إحاطة قدمه لرئيس مجلس النواب، من "فوضى تسعير" في السوق العقارية وتأخر متكرر في تسليم المشروعات. كما أشار محللون إلى سوابق تاريخية لتمويل مشروعات عقارية لرجال أعمال يدورون في فلك السلطة (نحو 12 مستثمر استأثروا بـ 70% من القروض)، وعند تعثرهم لم تجد البنوك وسيلة لاسترداد أموالها إلا بوضع اليد على أراضٍ ومشاريع غير مكتملة. ولفت المحللون إلى مستحقات حكومية لدى مجموعة طلعت مصطفى ما زالت عالقة بقيمة ثمانية مليارات جنيه (فروق أسعار أرض مدينتي)، والتي لم تُحسم أعداد الوحدات المقابلة لها حتى الآن.
غياب الشفافية
انتقد الخبير الهندسي ممدوح حمزة نمط بيع الوحدات من دون إعلان أسعار واضحة مسبقاً، معتبراً ذلك دليلاً على غياب الشفافية في سوق يعتمد على البيع المسبق والتسعير التدريجي. ويأتي هذا الجدل في وقت ارتفعت فيه أسعار العقارات بنسبة 200% - 300% مدفوعة بالتضخم؛ ما دفع المدخرين للجوء للعقار كملاذ استثماري، بينما يرى منتقدون أن هذا يعزز "اقتصاد الأصول" حيث تتحقق الأرباح من ارتفاع الأسعار لا من الإنتاج، ما قد يؤدي إلى تضخم غير مستدام إذا تراجع الطلب.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن "ذا سباين" ضرورة استراتيجية لمواجهة النمو السكاني وتحفيز عشرات الصناعات المرتبطة بالبناء. وقد انعكس الإعلان إيجابياً على سوق المال، حيث ارتفع سهم مجموعة طلعت مصطفى بأكثر من 8% خلال أسبوع، متصدراً التداولات بقيمة تجاوزت 3.7 مليارات جنيه، في إشارة إلى رهانات المستثمرين على العائد المتوقع.
