عربي
في قطاع غزة وفي ظل محدودية الإمكانيات وشحّ المواد الخام، تتحوّل المبادرات الفنية إلى مساحة ضرورية وليست ترفاً، لتتيح لليافعين التعبير عن ذواتهم بطرق إبداعية باستخدام أدوات بسيطة ومتوفرة في محيطهم.
في هذا السياق، تبرز ورشة صناعة المجسمات الورقية التي ينفذها فنانون محليون بدعم جامعة دار الكلمة، بوصفها تجربة تعيد تعريف الفن، ليس بصفته ممارسة نخبوية، بل وسيلة يومية للتعبير والابتكار، حتى في أكثر الظروف تحدياً.
تعتمد فكرة الورشة على إعادة تدوير مواد مهملة وتحويلها إلى أعمال فنية ذات قيمة جمالية ومعنوية، ما يعكس وعياً متنامياً بأهمية الاستفادة من الموارد المتاحة وتعزيز مفهوم الصداقة مع البيئة. ولا يقتصر دورها على تعليم مهارات تقنية في التشكيل والنحت فقط، بل يتجاوز ذلك ليشمل تنمية الحس الفني لدى المشاركين، وتشجيعهم على التفكير خارج الأطر التقليدية.
كما تكشف تجارب المشاركين عن قدرة لافتة على توظيف الخيال في إنتاج مجسمات تعبّر عن شخصياتهم واهتماماتهم، حيث تحولت الأفكار البسيطة إلى أعمال ملموسة تحمل دلالات عميقة. وتعكس هذه التجربة أهمية توفير مساحات آمنة ومحفزة للشباب، تمكنهم من استكشاف طاقاتهم الإبداعية وصقل مهاراتهم، بما يسهم في بناء جيل قادر على تحويل التحديات إلى فرص للإبداع.
يوضح منسق النشاط، الفنان مهند السايس، أن الفكرة الأساسية تقوم على إعادة تدوير مواد بسيطة ومتوفرة مثل الورق، وأسلاك الكهرباء، وأخشاب "المشاطيح"، وتحويلها إلى مجسمات فنية، مبيناً أن هذه العملية تتيح لكل مشارك التعبير عن ذاته وأفكاره من خلال تجسيد أعمال فنية بأساليب وطرق متنوعة تعكس رؤيته الخاصة.
يقول السايس لـ"العربي الجديد": "تُنفذ هذه الأعمال الفنية بدعم من جامعة دار الكلمة وفرعها الأساسي في بيت لحم، والتي تعنى بتنظيم دبلومات بتخصصات فنية مختلفة كالتصميم الداخلي، والفن التشكيلي البصري والسمعي، والنحت، والتصوير وغيره". ويوضح أن النشاط يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن "لكل شيء من حولنا قيمة، ويمكن أن يتحول إلى مجسم فني ملموس"، مؤكداً أن هذه التجربة تعد وسيلة مهمة تمكن الفنان من التعبير عن ذاته وأفكاره بأسلوب إبداعي.
ويشير إلى أن المشاركين في الورشة تمكنوا من إنتاج أكثر من 14 مجسماً فنياً، تنوعت بين الديكورات والأشكال والمجسمات واللوحات الفنية، جسدت في مجملها مفهوم الصداقة مع البيئة، عبر استخدام مواد غير ضرورية وإعادة توظيفها لتصبح قطعاً فنية ذات معنى، تؤكد فكرة "صناعة شيء من لا شيء".
من ناحيتها، تقول المشاركة جنى زيارة (16 عاماً) إنها صممت مجسماً على شكل فطر، استوحت فكرته من الطبيعة وعالم الخيال، ليعكس مزيجاً من البساطة والإبداع. وتوضح زيارة لـ"العربي الجديد" أنها اختارت هذا الشكل تحديداً للتعبير عن حبها للأشياء المميزة وغير التقليدية، مشيرة إلى أن الورشة شكلت فرصة مهمة لصقل موهبتها في التصميم والعمل اليدوي، ومساعدتها على تقديم أعمال فنية بمستوى أكثر احترافية.
من جهتها، تتحدث رغد عاشور (13 عاماً) عن مشاركتها في ورشة فن الورق، حيث صنعت مجسمات بسيطة باستخدام الورق والأسلاك الكهربائية وخشب "المشاطيح"، في ظل شح المواد الخام في غزة. وتبين لـ"العربي الجديد" أنها اختارت تجسيد هيكل الغيتار كونه يعكس شخصيتها واهتماماتها، مؤكدة أن أبرز ما استفادت منه هو قدرتها على تحويل المواد المتوفرة حولها إلى مجسمات فنية جميلة ومفيدة.
أما حياة شقورة (16 عاماً)، فتصف تجربتها بأنها مميزة، إذ تمكنت من تحويل فكرة كانت في مخيلتها إلى مجسم على هيئة "ملاك"، يرمز إلى مشاعر داخلية تحب التعبير عنها. وتشير إلى أنها طورت مهاراتها في التشكيل والنحت باستخدام خامات متعددة، إلى جانب تعلمها أهمية الصبر وإعطاء العمل وقته الكافي ليخرج بشكل متقن، مضيفة أن هذه التجربة شجعتها على الاستمرار في المجال الفني واستكشاف خامات جديدة لتنفيذ أفكارها مستقبلاً.
بدورها، تقول سارة عاشور (16 عاماً) لـ"العربي الجديد" إنها اختارت تنفيذ مجسم بعنوان "بيت الألوان"، انطلاقاً من إيمانها بأن الألوان تمنح الحياة لأي عمل فني، موضحة أن المجسم لا يعكس فكرة فنية فحسب، بل يجسد شخصيتها وتجاربها المختلفة التي أسهمت في تشكيل طريقة تفكيرها وتعبيرها.
وتشرح خطوات عملها، بدءاً بتشكيل الهيكل الأساسي باستخدام سلك معدني وتثبيته على الخشب، ثم إضافة الأوراق وتثبيتها بالغراء، وصولاً إلى الشكل النهائي. وتقول إن التجربة كانت جديدة ومختلفة بالنسبة لها، خاصة أنها المرة الأولى التي تنفذ فيها مجسماً متكاملاً باستخدام أدوات بسيطة، نجحت من خلالها في إنتاج عمل فني غني ومميز.

أخبار ذات صلة.
نجاة ترمب من ثالث استهداف
الشرق الأوسط
منذ 49 دقيقة
الاتحاد التونسي للشغل وعيد العمّال
العربي الجديد
منذ 52 دقيقة
كلمة آل الفقيد
العربي الجديد
منذ 52 دقيقة