إيطاليا تمدّد عمر الفحم حتى 2038 بسبب أزمة الوقود
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أقرت إيطاليا تعديلاً جديداً على ما يعرف بـ"مرسوم فواتير الطاقة"، يقضي بتأجيل الإغلاق النهائي لمحطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2038، بدلاً من الموعد السابق المحدد في 2025، وذلك بعد موافقة لجنة الأنشطة الإنتاجية في مجلس النواب. ويأتي القرار في ظل أزمة طاقة متفاقمة وعدم يقين في الأسواق العالمية، مدفوعة بتداعيات الحرب في المنطقة، ما أثار النقاش حول جدوى القرار وتأثيره الفعلي على منظومة الكهرباء الإيطالية. وينص التعديل على ضرورة تجديد التراخيص البيئية قبل إعادة تشغيل هذه المحطات، مع تحديد طبيعة عملها، سواء ضمن "نظام الاحتياطي البارد" لتشغيلها في حالات الطوارئ فقط، أو العودة إلى التشغيل المنتظم. وحتى نهاية 2025، كانت إيطاليا تمتلك أربع محطات فحم بقدرة إجمالية تقارب 4.7 غيغاواط، تشمل محطات تشيفيتافيكيا وبرينديزي وبورتوفيسمي وفيومه سانتو.  وقال المحلل الجيوسياسي الإيطالي في مؤسسة "ميد- أور" الإيطالية للأبحاث، إيمانويلي روسّي، لـ"العربي الجديد"، إن "تمديد إغلاق محطات الفحم حتى عام 2038 يجب قراءته في سياق حالة  طوارئ ضاغطة. وعلى الرغم من أن المخاوف البيئية حيال هذا القرار مبررة بالكامل، فإنها تأتي، في هذا السياق، في المرتبة الثانية بعد مشكلة أكثر إلحاحاً، ألا وهي الأمن الطاقوي". وأوضح روسّي أن "إيطاليا لا تزال تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة، لا سيما الغاز الذي يمثل المصدر الرئيسي لإنتاج الكهرباء. والحقيقة أن الحرب في الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من صعوبات  في الإمدادات، خاصة من قطر، أعادت إلى الواجهة هشاشة أوضاع قطاع الطاقة، وهي مشكلة برزت سابقاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا". ورأى أن "الفحم، رغم كلفته البيئية والاقتصادية المرتفعة، يبقى في هذا السياق خياراً متاحاً فورياً، كما أنه مدرج بالفعل في المنظومة الحالية، ويمكن تفعيله سريعاً لتغطية حالات الطوارئ"، معتبراً أن "مقاربة حكومة جورجا ميلوني تميل إذاً إلى البراغماتية: الحفاظ على قدرات احتياطية لإدارة أزمات شديدة". واستدرك أنه "على الرغم من ذلك، ومن منظور اقتصادي، فإن نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي (ETS) يجعل هذا الخيار أكثر كلفة، ويفرض أعباء أشدة وطأة على مصادر الطاقة الأكثر تلويثاً"، لافتاً إلى أن "هذه الآلية قد تؤدي، في مرحلة من الأزمات الحادة، إلى زيادة التكاليف بدلاً من الحد منها، ما يعكس توتراً هيكلياً بين أهداف خفض الانبعاثات ومتطلبات الأمن الطاقوي على المدى القصير". وختم المحلل الإيطالي بقوله إن "العقبة الكؤود لم تُحَل بعد: بطء تنويع مصادر الطاقة وتطوير بدائل هيكلية وعلى رأسها الطاقة النووية، ما زال يجبر إيطاليا على اتخاذ خيارات طارئة من هذا النوع". وكانت الحكومة الإيطالية قد خططت، ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقة والمناخ، للتخلي الكامل عن الفحم بحلول نهاية 2025، مستندة إلى التوسع في الطاقات المتجددة وتطوير أنظمة التخزين والاعتماد على الغاز كوقود انتقالي. وبالفعل، شهد إنتاج الكهرباء من الفحم تراجعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، بلغت إنتاجية محطتي برينديزي وتوريفالداليغا نحو 13 و6.6 تيراواط/ساعة خلال 2022-2023، لكنها تراجعت بشكل حاد لاحقاً، إذ توقفت محطة برينديزي منذ 2024، فيما لم تنتج توريفالداليغا سوى 0.3 تيراواط/ساعة في العام نفسه، قبل أن تتوقف عملياً في 2025. وتشير تقديرات مراكز بحثية، منها مركز "إيكو" الإيطالي، إلى أن استمرار تشغيل هذه المحطات لم يعد مجدياً اقتصادياً، بل تسبب بخسائر تقدر بنحو 78 مليون يورو بين منتصف 2024 و2025. في المقابل، استمر تشغيل محطات سردينيا فقط، مع تأجيل إغلاقها إلى 2028 لضمان أمن الإمدادات في الجزيرة، في انتظار استكمال مشروع الربط الكهربائي البحري "Tyrrhenian Link".  ويعزو القرار الحكومي بتمديد عمر الفحم إلى الحاجة للحفاظ على جميع مصادر الطاقة كخيار احتياطي في ظل تقلبات السوق، خاصة مع تأثير التوترات في مضيق هرمز على تدفقات النفط والغاز. ويؤدي ارتفاع أسعار الغاز، الذي يحدد في كثير من الأحيان السعر الهامشي للكهرباء في أوروبا، إلى زيادة مباشرة في تكلفة الطاقة على المستهلكين والشركات. ودافع وزير الشؤون الأوروبية وخطة التعافي، توماسو فوتي، عن القرار، معتبراً أن "جميع مصادر الطاقة يجب استغلالها بأفضل شكل ممكن في المرحلة الراهنة". كما وصف نواب من حزب الرابطة التمديد بأنه "قرار مسؤول" في ظل أزمة دولية، في حين انتقده حزب الحزب الديمقراطي الإيطالي، معتبراً أنه يحمل طابعاً دعائياً وخطراً، خاصة أن إعادة تشغيل المحطات المتوقفة منذ سنوات تتطلب وقتاً واستثمارات. وبحسب تقديرات الوزارة، يصبح استخدام الفحم مجدياً اقتصادياً إذا تجاوز سعر الغاز 70 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مقارنة بنحو 55 يورو حالياً. وقد يزداد الاعتماد عليه إذا خُففت القيود الأوروبية على نظام تداول الانبعاثات (ETS)، وهو ما تطالب به روما.  ومن صفوف المعارضة، اتهم زعيم حزب "أوروبا الخضراء" النائب أنجيلو بونيللي الحكومة بتجاهل التحديات المناخية، فيما سبق لوزير البيئة جيلبرتو بيكيتو فراتين أن أشار إلى إمكانية إبقاء بعض المحطات، مثل برينديزي وتشيفيتافيكيا، في وضع "الاحتياط". وفي بيان لها، ذكرت منظمة ريكومون البيئية الإيطالية أن تواصل سياسة الطاقة التي تنتهجها الحكومة الإيطالية منح الأفضلية للوقود الأحفوري، بما في ذلك مصادر كان يُعتقد أنها طُويت نهائياً، مثل الفحم شديد التلوث. ففي تطور حديث، أُقرّ تعديل ضمن ما يُعرف بـ"مرسوم فواتير الطاقة"، يقضي بتمديد عمل محطات الفحم حتى عام 2038، بدلاً من الموعد السابق المحدد في 2025، أي بزيادة 13 عاماً كاملة مقارنة بالأهداف التي نصّت عليها الخطة الوطنية للطاقة والمناخ المعتمدة عام 2020.  ويأتي القرار منسجماً مع مواقف عبّر عنها مسؤولون حكوميون، بينهم وزير البيئة وأمن الطاقة، الذين اعتبروا أن تأجيل التخلي عن الفحم ضروري لضمان "الأمن الطاقوي". غير أن مساهمة الفحم في مزيج الطاقة الإيطالي تراجعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، إذ باتت تمثل أقل من 2% من إنتاج الكهرباء، رغم استمرار وجود أربع محطات رئيسية في تشيفيتافيكيا وبرينديزي وبورتوفيسمي وفيومه سانتو. وانتقدت منظمة "ري كومون" وشبكة "بيوند فوسيل فيولز"، هذا التوجه، واعتبرتا أنه يتعارض حتى مع خطط شركات الطاقة الكبرى، وعلى رأسها "إينيـل"، التي تسعى إلى تقليص الاعتماد على الفحم واستبداله بحلول أكثر مرونة ونظافة، مثل أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات. وأشارت المنظمتان إلى أن إعادة تشغيل محطات الفحم، حتى كخيار طارئ، تتطلب وقتاً طويلاً وكلفة تشغيلية مرتفعة، فضلاً عن تعقيدات لوجستية وأمنية، ما يحدّ من فعاليتها على المدى القصير.  كما حذّرتا من أن إبقاء هذه المحطات في وضع الاستعداد يحمّل الدولة أعباء مالية قد تصل إلى نحو 70 مليون يورو، كان يمكن توجيهها نحو الاستثمار في بدائل نظيفة. ورأتا أن تبرير العودة إلى الفحم بالأزمة في مضيق هرمز أو الحرب مع إيران يفتقر إلى الصلابة، ويعكس في الواقع هشاشة نموذج الطاقة القائم على الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق، دعت المنظمتان الحكومة إلى تقديم تقييم شفاف لدور الفحم في أمن الطاقة، وإزالة العوائق أمام تطوير حلول التخزين والطاقة النظيفة، غير أن التطورات الأخيرة لا توحي بقرب الاستجابة لهذه المطالب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية