إلى آمال خليل
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كم هو حزين هذا النهار يا فتاة. كم انتظرناك أمس، وسهرنا نتسقّط خبراً يقول إنّك نجوت، فيُتاح لنا أن نغضب منك ونوبّخ انجرافك إلى ذاك المكان واضح الخطورة، حيث كان العدو يمسك الموت بيده وينتظرك. كم هو حزين هذا الخبر الذي لم أجرؤ على انتظاره عندما كان حدسي يُخبرني بأنّك لن تنهضي كأعجوبة من تحت كلّ ذاك الركام. طابقان يا آمال؟ طابقان من الباطون بحديده وباطونه وغباره جثموا فوق جسدك الضئيل الذي كان يريد أن يصدّق الجميع، وصاحبته أولاً، أنّه منيع على كلّ شيء، وعلى كلّ خطر، جسد مصفّح بالشغف، محروس من طلسم الإيمان بجدوى وضرورة ما يقوم به، وقناعة بأنّ ما يفعله لا شك يشفع له عند القدر، فينجو. لكن كم هو حزين يا فتاة أن تكوني قد فهمت خذلان الجسد في تلك اللحظة التي أسلمت فيها الروح. ألا تعلمين أننا من تراب يا فتاة؟ طين هش يتنفّس مهما كانت الروح قوية. أيكون قد خطر ببالك، حين جثم كلّ ذاك الركام الأخرس والأصم فوق صدرك، أنّ باطون جدران وسقف هذا البيت الصديق، على أرض الأهل، لا يفهم كأصحابه أنّه يجثم فوق من يحميه، ولا يُقدّر الشجاعة كي يجنّبها الاختناق بعناقه حتى الموت.  لكن ما هو مؤلم أكثر من كلّ شيء؟ كان تلك الساعات التي انقضت وئيدة بأمل يتأرجح كشعلة ضعيفة في مهبّ الهواء، بأنّك ستخرجين في نهاية ذلك الليل، مع فجر اليوم الجديد، كخبر نصر على الوحش، وتعودين لتطلّي من الشاشة والجريدة كلّ يوم، في وطن يغمز لك بعينه مُتواطئاً. خسارة لم تكن لتحدث لو كان هناك في هذا العالم بعض الضمير، وفي هذا البلد بعض الكرامة كم هو حزين أنّك لم تشاهدي ذلك الفجر، وأنّ النهار سيمضي كما لو أنّ شيئاً لم يحدث، والربيع يكمل تفتّحه في الحقول، كصبي خفيف العقل لا يدرك ما يحدث حوله من مصائب.  قبل منتصف الليل، توتّرت كثيراً. هربت من الخبر المتوقّع، والذي همست به لنفسي من دون أن أجرؤ على قوله بصوت عال، أغلقت الهاتف وعواجله التي كانت تُتابع لحظة بلحظة محاولات انتشالك... لا بل إنقاذك. غطيت نفسي باللحاف حتى قمّة رأسي كما لو كنت أحميه من سماع الخبر الذي بات قلبي يقول لي إنّه لن يتأخّر. وحين صحوت في اليوم التالي، تململت كثيراً وطويلاً قبل أن أستسلم في النهاية، فأفتح عيوني، وأتلصّص بحذر على رسائل الأصدقاء على الهاتف، فأتلقى ما بات كلّ البلد يعرفه: راحت البنت. كلّ ما جاء بعده لم يعد يهمني. لا الجنازة ولا التشييع ولا الغضب ولا كلمات الاستنكار ولا التنديد ولا وقفات التضامن. لم يعد هناك إلا الحزن الآسف لهذه الخسارة التي لم تكن لتحدث لو كان هناك في هذا العالم بعض الضمير، وفي هذا البلد بعض الكرامة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية