عربي
تنتشر الأسواق الشعبية أو البازارات بكثرة في فرنسا، حدّ إنها تحوّلت، فعلياً، إلى ظاهرة اقتصادية حيوية ومصدر لدخل الكثيرين من الرجال والنساء.
وتختلف هذه الأسواق عن بعضها باختلاف المواد المعروضة للبيع، كما تختلف في التوقيت. بعضها سنوي يقام لمرّة واحدة في العام، وعادة ما يرتبط بتقليد سنوي للمدينة بأكملها، وتكون المواد المعروضة فيها بحالة جيدة جدّاً لتُلبي رغبة القاصدين الذين ينتظرونها بلهفة وترقّب، حيث لا تمنع الأسعار المُرتفعة للمواد الراغبين من اقتنائها؛ لأنّ من يقصدها يعرف القيمة الفعلية لما يريده، وتنتمي (هذه الأسواق) لما يمكن تسميته أسواق الأنتيكا، وفيها من اللوحات والأثاث والساعات والأواني ما يشكّل خصوصية للأسواق وللمُتسوّقين منها.
وهناك أيضاً أسواق نصف سنوية، في الأحياء أو في بعض مراكز المدن، ولها جمهور أوسع، لكنه جمهور يرسم خططاً مُسبقة لما يريد تسوّقه. وأخرى شهرية لمجموعة من البائعين الذين يختصون بجمع وشراء ما يفيض من البيوت أو من محال البيع. وبعضٌ من هذه البازارات تقيمه جمعيات معروفة ويكون الازدحام كبيراً لأنّها تبيع مواد تمّ التبرّع بها من أشخاص أو من مؤسسات، وهي جديدة في الغالب ومطلوبة للاستخدام اليومي كالأدوات المنزلية والملابس والحقائب، وحتى الكتب واللوحات القديمة والمُعاصرة وأدوات الرسم وألعاب الأطفال... .
تعرف السوريات كلّ هذه الأسواق تقريباً، وإن اهتممن ببعضها فقط. فهنّ يتبادلن مواعيد وعناوين بازارات الجمعيات مثلاً، وقد يقفن في الطوابير الطويلة استناداً إلى اسم الجمعية التي بات الجميع مُطلّعاً على الطابع العام لها، ونوعية ومستوى المواد المعروضة للبيع بأسعار زهيدة جداً، أي "لقطة" كما يقلن لبعضهن البعض، في عبارة نقلنها معهن من بلدهن الأم سورية.
يظنون أنّنا في فرنسا لا نرتدي إلّا ملابس من ماركات فرنسية عريقة!
لكن، وفي الأعوام السابقة، وخاصة بعد جائحة كورونا، وبعد الحروب الدائرة على اتساع العالم وتحوّل الطاقة إلى مشكلة اقتصادية ذات أثر خانق على مستوى معيشة الأفراد بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القوّة الشرائية، تراجعت زيارات السوريات إلى الأسواق الشعبية من الصنف الأوّل والثاني وحتى الثالث أيضاً، لينصرفن إلى الأسواق الأكثر شعبية إن صح التعبير، وهي عبارة عن بضائع مفروشة على الأرض أو على بسطات مُتواضعة، وفي أحسن الأحوال على سطح سيارة البائع. لا، بل ويُمكننا وبوضوح كبير أن نشاهد السوريات منكبّات على أكوام من الملابس، وخاصة أحذية الأطفال والأحذية الرياضية ليخترن المناسب لهنّ ولأفراد العائلة، حدّ أنّ إحدى السيدات اشترت ثلاثة أحذية رياضية لأشقائها في سورية، لأنّها، وحسب قولها، وجدتها في حالة ممتازة، مؤكّدة أنّ البضاعة في سورية مرتفعة الثمن وخارج قدرة السوريين على اقتنائها كما أنّها لا تدوم طويلاً ولا تراعي جودة الصنع ولا معايير الصحة والسلامة.
بات وجود السوريات في هذه الأسواق طبيعياً وكبيراً، بل وتقوم مجموعة منهن بالاتفاق على زيارة السوق مُسبقاً، وربّما تتبرّع إحداهن برعاية ابن امرأة أخرى أثناء انشغالها في البحث عن ملابس لعائلتها، كما إنّ سيدة أخرى اقترحت على زوجها القيام ببيع كلّ ما يفيض عنهم، ولم تتردّد سيدات سوريات صديقات للعائلة بتزويدهن بمواد فائضة عنهنّ أيضاً. وكانت سيدة سورية قد اشترت مواد من متاجر الإيمايوس (متاجر تبيع سلعاً للفقراء) المعروفة في فرنسا، ثمّ ذهبت شخصياً بمرافقة جارتها لبيع المواد نفسها في ذلك السوق البسيط والرخيص جداً، والذي يزداد عدد المتسوّقين منه باضطراد، حيث يمكن، وبكلّ بساطة، التعرّف إلى عائلة سورية بأكملها وهي تتسوّق، كلٌ حسب خياراته.
ذات يوم أحد، وعلى طريق العودة صرّحت إحدى السيدات السوريات وهي تئنّ من ألم قدميها بعد تسوّق طويل على أرض غير مستوية: يظنون أنّنا في فرنسا لا نرتدي إلّا ملابس من ماركات فرنسية عريقة، لتردّ عليها أخرى: يا ما أحلى بالة الشام.
أخبار ذات صلة.
الاستقرار في غزة
العربي الجديد
منذ 38 دقيقة