عربي
ما الذي يتبقى من السينما حين تطفأ الأنوار وتغادر الجماهير الصالة؟ ربما تتحول تلك الحكايات والصور العابرة إلى أسئلة قلقة تسكن وعينا. في مقاربة فكرية أصيلة تزاوج بين رهافة الفن وصرامة التنظير، يطل كتاب "الجوكر وباتمان؛ ثنائية الخير والشر بين الفلسفة والسينما" (منشورات الربيع، القاهرة، 2026) للكاتب حسن خالد، ليجعل من فيلم "فارس الظلام" (2008) للمخرج كريستوفر نولان مادة خصبة لتفكيك مفاهيم العدالة، والشر، والحرية، والهوية.
يعتقد المؤلف أن السينما وسيط تأملي قادر على التعبير عن أزمات الوعي الإنساني، فهي تمثل التفلسف بالصورة في أجلى تجلياته المعاصرة، حيث ينشأ فضاء جديد للتفكير تتحول فيه الصورة إلى أكثر من مجرد انعكاس للحكاية، ويصبح السؤال الفلسفي دافعاً للتعمق حين يتشخص في معالجات وصراعات تحيا على الشاشة.
غوثام: أزمات المجتمع المعاصر
غوثام مدينة خيالية من أكثر المدن انتشاراً للجريمة، وهي تقع افتراضاً في شمال شرق الولايات المتحدة، وتُعدّ موقعاً مركزياً في القصص المصورة الأميركية والأفلام المقتبسة عنها، واستخدمها الكاتب الأميركي واشنطن إيرفينغ عام 1807 لقباً لنيويورك في إشارة إلى الجانب المظلم من المدينة. وتتجلى قتامة غوثام في كونها المختبر الذي يربط فيه الكتاب بين انهيار العقد الاجتماعي في "فارس الظلام" وبين العالم الموحش في فيلم "أطفال الرجال" (2006) للمخرج ألفونسو كوارون؛ ففي كليهما نلمس هشاشة المجتمع الحديث الذي يعيش توتراً مستمراً بين الاستقرار والانهيار، وخيبة الأمل من المؤسسات الديمقراطية التي أخفقت في الحفاظ على حقوق المجتمع وأفراده، ما يستدعي تنفيذ انتقام "إجرامي"، أو خارج إطار القانون، لتحقيق العدالة، وهو ما يتقاطع مع طروحات اليمين المتطرف.
تعكس الجريمة في مدينة غوثام ارتقاء الفوضى إلى سدة الحكم
تبدو المدينة تائهة بين فلسفة أفلاطون المثالية ورؤية مارتن هايدغر للوجود المتأزم، وبين نظريات توماس هوبز حول العقد الاجتماعي ونقد جان جاك روسو لفكرة السلطة. إن القانون الذي يُفترض كونه أداة للعدالة يتحول إلى وسيلة لقمع الفوضى أكثر من كونه وسيلة لإحقاق الحق، وتصبح الدولة عاجزة عن فرض النظام، بينما تتصارع القوى الفاعلة فيها بين الاستفادة من الفوضى أو محاولة السيطرة عليها، وهو ما يجعل غوثام انعكاساً لما وصفه جان بودريار باعتباره عالماً يعيش على حافة انهيار السرديات الكبرى، حيث تغدو الحقيقة نفسها محل نزاع.
رقصة العدم والنظام
يبرز تحليل الصراع بين "الجوكر" و"باتمان"، بحسب الكتاب، باعتباره صراعاً أيديولوجياً وجودياً يتجاوز الثنائيات التقليدية للخير والشر. يظهر باتمان كياناً معقداً يتأرجح بين فكرة الواجب الأخلاقي عند إيمانويل كانط والواقعية السياسية عند نيكولو مكيافيلي. هو بطل يحاول منع انهيار المنظومة التي يرى أنها لا تزال تمتلك فرصة للبقاء رغم فسادها، والقناع الذي يرتديه تعبير عن الانفصال بين الذات والمجتمع، وبين الإنسان وصورته أمام الآخرين، حتى يتحول رمزاً يتجاوز وجوده الفعلي فرداً، مقترباً من مفهوم فريدريك نيتشه عن "الإنسان المتجاوز" الذي يعيد تشكيل القيم وفق رؤيته الخاصة.
يبرز الجوكر مثالاً للفوضى المطلقة التي ترفض كل أشكال التنظيم. هو كيان يكفر بفكرة النظام، ويرى العالم محكوماً بالأوهام، وموقفه يعكس جوانب من العدمية النيتشوية والعبثية كما صاغها ألبير كامو. يتجاوز الجوكر ذلك ليصبح فوضى مجسدة في صورة شخص يسعى إلى كشف زيف المنظومات التي تتظاهر بحماية المبادئ، وهو ما يؤدي إلى نظرته التي ترفض الفصل بين الخير والشر، نظراً إلى عدم اعترافه بوجودهما قيماً مطلقة، واعتبارهما مجرد أدوات يستخدمها البشر لتبرير سلوكهم.
في مديح العقد المكسور
في "غوثام"، تحضر الجريمة في تعبير صارخ عن ارتقاء الفوضى إلى سدة الحكم. يحلل الكتاب هذا الانهيار بوصفه أزمة "عقد اجتماعي" فقد قدسيته، حيث تحولت المؤسسات إلى هياكل خاوية تسكنها الريبة. ولعل تحول خصم باتمان؛ هارفي دينت، من أيقونة للأمل القانوني إلى كائنٍ مشطور الهوية، ليس إلا التجسيد الأقسى لسيولة القيم التي بشرت بها "ما بعد الحداثة". هنا، ينهار "الأمر الأخلاقي المطلق" الكانطي أمام انكسارات الواقع، هكذا لم تعد المبادئ والقوانين الكبيرة قادرة على حماية الإنسان من تناقضاته الداخلية. وعندما استسلم هارفي دينت لقرار المصادفة (حين حدد قدره بإحدى وجوه العملة المعدنية)، تلاشت قدرته على الاختيار الحر، وأصبح أسيراً لظروفٍ أقوى منه، تماماً كما يرى سبينوزا وفرويد أننا أحياناً نكون ضحايا لأسباب لا نتحكم فيها، لتتحول حياتنا في النهاية إلى مجرد رد فعل لواقعٍ قاسٍ يعيد صياغتنا كما يشاء، لا كما نريد نحن.
يحلل انهيار المدينة بوصفه أزمة "عقد اجتماعي" فقَد قدسيته
بين يقين كانط وعتمة شوبنهاور
يضعنا الكتاب أمام سؤال الإصلاح الملحّ في عالمٍ يترنح على حافة الفناء؛ وهو صراعٌ يسكن المسافة الفاصلة بين "تفاؤل العقل" عند كانط و"عتمة الروح" عند شوبنهاور. فبينما يستميت باتمان ودينت في الدفاع عن قدرة العقل على لجم الفساد، يطل الجوكر كـ "إرادة عمياء" ترفض كل منطق، وتدفع البشر نحو دائرة أبدية من الألم. ورغم هذه القتامة التي تغلف المشهد، يفتح حسن خالد نافذةً لمشهد "ركاب السفينتين"، بوصفه اللحظة التي استعاد فيها "الضمير الجمعي" لروسو صوته الضائع؛ حيث انتصرت الإرادة المشتركة على الغريزة الأنانية، في شهادةٍ سينمائية رقيقة تقول إن القوة الحقيقية لا تسكن في السيف المسلط، وأنها تكمن في الاختيار الحر الذي ينبعث من قلب الحطام.
رفض السقوط
في إشارة إلى روح الأدب الروسي، يصف المؤلف استلهام جوهر البطولة في غوثام بأنها خيرٌ يُعجن بالألم والصمود، تماماً كما في روايات ديستويفسكي. ويشبه حال المدينة المنهارة بروما القديمة في لحظات فسادها الأخيرة، حيث يقف المجتمع أمام خيارين مرّين: فإما انتظار حاكم مستبد (مثل أغسطس قيصر) يعيد النظام بقوة السلاح ويمحو الحرية، وإما المراهنة على الإرادة الجماعية لرفض السقوط. أما صراع باتمان مع خصومه ففي جوهره محاولة بشرية دائمة لنبقى أوفياء لضمائرنا، ورفضاً لأن تشكلنا الظروف.
* ناقدة ومترجمة مصرية
