عربي
قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي الذي ينافس على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، في تصريح لـ"العربي الجديد" في نيويورك مساء الثلاثاء، إنه يتفهم مشاعر الإحباط التي يشعر بها الكثيرون في فلسطين ولبنان والمنطقة، عقب مشاركته في جلسة حوارية مفتوحة للجمعية العامة للأمم المتحدة للمرشحين لخلافة أنطونيو غوتيريس.
وأضاف غروسي، في إطار رده على السؤال حول فقدان الكثير من الناس في لبنان وفلسطين والمنطقة ثقتهم بالأمم المتحدة والقانون الدولي ومقدرتها على حمايتهم: "إنني أتفهم تماماً مشاعر الإحباط هذه، وذلك الشعور باليأس السائد في المنطقة بشأن الكيفية التي يمكن للأمم المتحدة من خلالها مساعدة البلدان التي عانت طويلاً وبشكلٍ فادح، لكي تتبوأ وضعاً أفضل".
وعبّر عن أمله أن يتمكن، في حال تم اختياره أميناً عاماً للأمم المتحدة، من التواجد هناك معهم. وقال: "أن أصغي إليهم؛ إذ يمكنهم رؤيتي هناك، كما يمكنهم أن يروا في تفاعلي مع الآخرين تجسيداً لقدرة المنظمة على اتخاذ إجراءٍ ما حيال هذا الوضع أو حيال قضاياهم". وأضاف "لربما بدا من قبيل عدم المسؤولية الإدلاءُ بتصريحٍ قاطعٍ كهذا، أي الزعم بامتلاك حلولٍ لمثل هذه المشكلات المعقدة، ولكن حينما يتواجد هذا التفاعل، وحينما نشعر، كبشر، بأن هناك من يهتم حقاً ويؤدي واجبه بإخلاص ويبذل قصارى جهده من أجلهم، فإنني أعتقد أن هذا الإدراك قد يمثل بدايةً لاستعادةِ جزءٍ من ذلك الإيمان الذي فُقِد."
وانتهى الثلاثاء اليوم الأول من جلسات الحوار التفاعلية لاختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة خلفاً للبرتغالي غوتيريس، الذي تنتهي ولايته نهاية العام. وعُقدت الجلسة الحوارية المفتوحة الأولى، التي استمرت ثلاث ساعات، مع التشيلية ميشيل باشيليت، التي شغلت منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان ورئيسةً لبلادها. وعُقدت الجلسة الثانية مع الأرجنتيني غروسي، واستمرت كذلك ثلاث ساعات. وستُعقد الأربعاء مع الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، مديرة وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والرئيس السنغالي السابق ماكي سال.
غروسي
ووصف غروسي خلال مداخلته عملية اختيار الأمين العام الحالية، التي تأتي بعد مرور ثمانين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة ونهاية الحرب العالمية الثانية، بالقول "إن التاريخ لا يسير بشكل مستقيم ولا يخضع لتفسيرٍ واحد. ولكن عند النظر في عملية اختيار الأمين العام هذه، أياً كانت التسمية التي تفضلونها، فإننا نجد أنها ربما تكون واحدةً من أكثر العمليات تأثيراً وعمقاً، إن لم تكن هي الأكثر تأثيراً على الإطلاق."
وأوضح: "الأسباب التي تدفعني إلى الاعتقاد بذلك: أولاً ما نسمع عنه ونراه كل يوم، ينعكس باستمرارٍ في تصريحاتنا ووسائل الإعلام، إذ نعيش في عالمٍ يتسم بالتشرذم والتوتر والاستقطاب". أما الأمر الثاني، وفقه، فهو أن "المنظمة تكتنفها شكوكٌ هائلة وضخمة حول القيمة المضافة التي تقدمها الأمم المتحدة في سبيل حل بعض هذه المشكلات، وحول كفاءتها في الاضطلاع بذلك وقدرتها على إنجازه؛ ناهيك عما يسود من مشاعر السخرية والإحباط والحزن".
وأضاف: "إننا، بصفتنا أشخاصاً يعملون من أجل السلام ويؤمنون بالمنظمات متعددة الأطراف، ملزَمون بأن نُقرّ بأن هذا هو الواقع القائم، وبأن المسار الحالي ليس مساراً محموداً، وبأن الاتجاه الذي تمضي فيه الأمم المتحدة ليس هو الاتجاه الذي نود جميعاً أن نراها تسلكه." وتحدث غروسي عن أهمية إصلاح نظام الأمم المتحدة، كما تطرق لتحديات الحروب التي تواجهها وعدم قدرتها على منعها، وقال: "يساورنا جميعاً شعور بأننا نعيش في عالم باتت الحرب فيه سائدة، بل وعادت إليه بضراوة؛ سواء في أوروبا أو في أفريقيا، وحتى في أميركا الجنوبية بطريقة ما، وفي آسيا؛ إذ لا توجد قارة لم تشهد عودة شبح الحرب".
وأردف: "هذا الأمر يفسر السبب الذي يدفع الكثيرين إلى التساؤل: أين هي الأمم المتحدة عندما يتعلق الأمر بتحقيق السلام والأمن؟ ففي نهاية المطاف، لقد أُسِّست قبل ثمانية عقود في أعقاب الآثار الكارثية للحرب العالمية الثانية". وتساءل: "ما هي الشروط، وما هي السبل والوسائل المتاحة أمامنا لضمان أن يكون للأمم المتحدة ثقلُها وتأثيرها الفاعل في خضم كل هذه العمليات الجارية؟". وشدد غروسي على ضرورة أن تكون هناك قيادة قادرة على تحقيق ذلك، مؤكداً أنه ما لم يحظَ هذا المسعى بالدعم اللازم فلن يكتب له النجاح.
باشيليت
من جهتها، قالت باشيليت في مداخلتها إنّ "عالمنا، والنظام القائم على القانون الدولي الذي يصونه، يمر بضغوط لم يشهد لها مثيلاً من قبل". وتوقفت في هذا السياق عند قصتها الشخصية، إذ كانت قد تعرضت للتعذيب والاعتقال خلال فترة حكم الديكتاتور أوغستو بينوشيه. كما اُعتقل والدها، الجنرال ألبرتو باشيليت، والذي عارض الانقلاب ضد حكومة سالفادور أليندي، فتم اعتقاله وتعذيبه وتوفي في السجن. واعتقلت ميشيل باشيليت مع والدتها عام 1975 أثناء حملة قمع ضد المعارضين وعائلاتهم.
وأضافت باشيليت، خلال مداخلتها حول تجربتها "إن قصتي ليست سوى واحدة من بين ملايين القصص التي تشهد على ما يحدث عندما يتعثر النظام القائم على القانون. ففي يوم الانقلاب العسكري عام 1973، عانى والدي، الذي كان عضواً شريفاً في القوات الجوية التشيلية ويؤمن إيماناً راسخاً بسيادة القانون، من العواقب الوخيمة عندما انقلب من كانوا في سدة الحكم على ذلك القانون".
وأوضحت "كان للضغوط الدولية والتضامن العالمي دور حاسم في المساعدة على استعادة السلام والديمقراطية إلى وطني. ففي وقت كنّا فيه في أمسّ الحاجة إلى الأمل، قدّمه لنا العالم. وبعد عقود، شرفني شعب تشيلي بمسؤولية قيادة أمتنا؛ واليوم، وبكل التزام عميق، أحمل معي إلى هذه المنظمة تجربة بلادي، التي لا تختلف كثيراً عن تجارب غيرها من الأمم، لأقود مسيرتها بروح من الأمل مرة أخرى. لقد انتُخبت مرتين رئيسة للجمهورية، لأكون بذلك أول امرأة تتقلد هذا المنصب. كما شغلت منصب وزيرة في الحكومة مرتين، في قطاعَي الصحة والدفاع، وشغلت منصب أول مديرة تنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان".
وقالت باشيليت: "طوال ما يقرب من عشرين عاماً من العمل العام على الصعيدين الوطني والدولي، حرصتُ على الجمع بين الدفاع عن المبادئ الإنسانية والقيادة الواقعية والعملية؛ إذ إن السلام والتنمية يقتضيان وجود هذا التوازن. إن الثقة في النظام الدولي والثقة في مؤسساتنا أمران يعزز كل منهما الآخر؛ فكلاهما يتطلب خبرة راسخة والتزاماً ثابتاً بميثاق الأمم المتحدة."
وشدّدت "على الحاجة الملحّة للحوار؛ ذلك لأن التشاور والتعاون متعدد الأطراف كانا الركيزة الأساسية التي شُيدت عليها هذه المنظمة، ولا يزالان يشكلان الجسر الذي يعبر بنا نحو مستقبلنا. لقد نبعت رؤيتي الخاصة من تلك المعجزة الصعبة، التي بدت مستحيلة في بعض الأحيان، ألا وهي معجزة الحوار، حتى عندما كانت كل الظروف والمعطيات تقف ضدها. وأنا على يقين بأن الحوار قادر على تحقيق النتائج المرجوة، لأنني رأيتُ بعيني كيف حوّل المستحيل إلى أمر قابل للتحقق".
كذلك أكدت على ضرورة أن "نستحضر المادة 33 من الميثاق، التي تُلزِم بالتوصل إلى حلول عبر التفاوض، والتحقيق، والوساطة، والمصالحة"، معلنة عن "الالتزام التزاماً راسخاً بصون هذا المبدأ القائم على الحوار في أعمالي وتصرفاتي كافّة، كما ألتزم بالتقيد الدائم والكامل بالميثاق، الذي يمثل الضمانة المثلى التي يمكن لجميع الدول الأعضاء التعويل عليها لضمان الحياد، والركيزة الأساسية لبناء الثقة".
وشددت على الحاجة "إلى منظمة أمم متحدة عصرية تركز على نتائج حقيقية ومستدامة وقابلة للتحقق، وتقود مسيرتها من خلال الكفاءة الإدارية والانسجام والقيادة الجديرة بالثقة. وإنني أتطلع إلى منظمة للأمم المتحدة تستبق الأحداث وتمنع وقوعها وتبدع وتوحد الجهود، انطلاقاً من هدفٍ محوريٍ واحد: خدمة الدول الأعضاء ومواطنيها."
ومن اللافت أن كلاً من باشيليت وغروسي، في مداخلتهما الافتتاحية وفي إجابتهما على الأسئلة، ظلّا في العموميات دون الدخول في كثير من التفاصيل، على الرغم من وجود أسئلة مهمة ومحورية، بما فيها أسئلة المجموعة العربية حول القضية الفلسطينية وحماية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أو حتى أسئلة حول الموارد المالية للأمم المتحدة والتحديات المعقدة والكبيرة التي تواجهها. ويبدو أن كلا المرشحين اختار اتخاذ خط أكثر عمومية في محاولة استرضاء الدول الأعضاء، وخاصة الدول دائمة العضوية التي يمكنها استخدام حق النقض (الفيتو) ضد توصية ترشيح أي منهما.
وتواجه باشيليت تحدياً مع الصين، على الرغم من أنها تحظى بتقدير كبير من دول مهمة، خاصة في قارتها كالبرازيل والمكسيك اللتين رشّحتاها، في الوقت الذي سحبت فيه بلادها دعمها لها بعد تولّي اليميني خوسيه أنطونيو سدة الحكم. وتعود تحفظات الصين لتقرير صدر قبل سنوات، في اليوم الأخير، لولاياتها بوصفها مفوضة عامة لحقوق الإنسان، تطرق لانتهاكات حقوق الإنسان في الصين بحق أقلية الإيغور.
أما غروسي، البالغ 65 عاماً، ويشغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة منذ ست سنوات، فلفت الأنظار بحضوره المكثف ونشاطه الكبير. وفي حين ظلت الوكالة تراقب منذ وقت طويل البرنامج النووي الإيراني، قاد غروسي مفاوضات هدفت إلى إنقاذ أجزاء من الاتفاق النووي بين طهران والقوى الكبرى، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب بلاده منه عام 2018.
يُشار إلى أنّ الحوارات التفاعلية تعقد برئاسة رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، والتي شددت في تصريحات صحافية على أنّ الجلسات تمثل خطوة مهمة وحاسمة في عملية الاختيار، مؤكدة أن هذه العملية تأتي في فترة فارقة في تاريخ الأمم المتحدة. كما تحدثت عن العواقب واسعة النطاق التي تترتب على اختيار الأمين العام، مشدّدة على أن الخيار سيحدّد مسار المنظمة الدولية وسيظهر ما إذا كانت الأمم المتحدة تمثل ثمانية مليارات نسمة حول العالم، نصفهم من الفتيات والنساء.
يُذكر أنه على الرغم من الإصلاحات على طريقة اختيار الأمين العام، بما فيها جلسات حوارات تفاعلية مفتوحة وعملية ترشيح أكثر شفافية مقارنةً بالفترات السابقة، إلا أن الاختيار يبقى مرهوناً في نهاية المطاف بحصول المرشح على تأييد أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن (15 دولة)، شريطة ألا تستخدم أي من الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا) حق النقض، قبل رفع التوصية إلى الجمعية العامة. ومن المتوقع أن يعقد مجلس الأمن في نهاية يوليو/تموز غالباً جلسات "تصويت استطلاعية" ستُظهر مدى حظوظ كل مرشح، على أن تُرفع التوصية من قِبَل مجلس الأمن باسم المرشح إلى الجمعية العامة لتصوت عليه وتتبناه ما بين أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول.

أخبار ذات صلة.
نقد مؤجّل للرواية السوريّة
العربي الجديد
منذ 25 دقيقة