عربي
مع دخول حرب السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، لا يبدو أن الأوضاع هناك ذاهبة باتجاه التهدئة أو الحل. فما بدأ في 15 إبريل/ نيسان 2023 بوصفه صداماً محدوداً بين الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، سرعان ما تحوّل إلى حرب بالغة الخطورة والتعقيد وبامتدادات إقليمية ودولية، تتشابك فيها العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية، من دون أفق واضح للحسم أو التسوية.
تظهر القراءة الميدانية بعد انقضاء ثلاث سنوات من الحرب واقعاً منقسماً يقترب من صيغة التقسيم الفعلي، ليس فقط على مستوى السيطرة العسكرية، بل أيضاً على مستوى البنيتين السياسية والإدارية. إذ يكشف هذا الواقع عن خريطة نفوذ واضحة بين قوتين رئيسيتين وحكومتين متنافستين في الشرق والغرب. فالجيش يفرض سيطرته على تسع ولايات من أصل 18 ولاية في الشمال والوسط والشرق، بما فيها العاصمة الخرطوم، في حين تسيطر "الدعم السريع" على ولايات دافور الخمس غرباً باستثناء ثلاث محليات من ولاية شمال دارفور التي لا تزال بيد الجيش والقوة المشتركة، إلى جانب سيطرتها على ولاية غرب كردفان. في المقابل، تشهد ولايات شمال كردفان وجنوب كردفان وولاية النيل الأزرق المتاخمة للحدود الإثيوبية معارك مستمرة بين الطرفين.
ترجم هذا الانقسام الميداني نفسه سياسياً، حيث انعكس واضحٍاً على بنية السلطة مع نشوء حكومة موازية تتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها تتبع لتحالف "تأسيس" بقيادة قوات الدعم السريع، في مواجهة الحكومة الرسمية التي تشكلت في بورتسودان وانتقلت لاحقاً إلى الخرطوم.
اضطرار نحو 13 مليون شخص إلى الفرار منذ اندلاع الحرب، منهم تسعة ملايين نازح داخلي وأكثر من أربعة ملايين لاجئ في دول الجوار
إنسانياً، تكشف الحرب عن كلفتها الإنسانية بوصفها الوجه الأكثر قسوة، إذ تشير الإحصائيات الأممية إلى اضطرار نحو 13 مليون شخص إلى الفرار منذ اندلاع الحرب، منهم تسعة ملايين نازح داخلي وأكثر من أربعة ملايين لاجئ في دول الجوار، في حين يواجه 26 مليون سوداني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج 33,7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية في 2026، وتذهب تقديرات أخرى إلى أن نحو 75% من السكان باتوا في حاجة إلى العون. وفي ضوء هذه المؤشرات، تحوّلت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ "أسوأ كارثة نزوح في العالم"، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحوّلها إلى حرب أهلية. ومع تراجع حضور أزمة السودان على أجندة القوى الكبرى تحت ضغط أزمات أكثر إلحاحاً، وتحولات متسارعة أعادت ترتيب أولويات الفاعلين دفعت بالملف السوداني إلى موقع متراجع على سلّم الاهتمام، تقلّصت فرص فرض مسارات تفاوضية فعالة، وتراجعت تبعاً لذلك أدوات الضغط الدولي القادرة على دفع الأطراف نحو تسوية سياسية ملزمة.
في ظل هذا المشهد المثقل بانعكاسات التشقق والشقاق، تبقى الرهانات للخروج من هذه الأزمة مفتوحة على طروح قليلة، معقدة بحساباتها ونتائجها، بحيث يمكن الحديث عن مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة وفقاً للسياقات الجارية، والتي تتراوح بين ثلاثة سيناريوهات.
الأول: "لا حرب ولا سلم"، أي استمرار حالة الجمود العسكري وتحوّل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد بعد أن استنفدت فيها القوى الكبرى أغراضها الأولية، مع بقاء الكفة راجحة نسبياً لصالح الجيش، الأمر الذي يكرّس الواقع التقسيمي الإداري والسياسي بين شرق البلاد وغربها، بحيث يسيطر الجيش على الشمال والشرق والوسط، بينما تترسخ قوات الدعم السريع في الغرب، في نموذج يشبه ما جرى في ليبيا واليمن. وهذا السيناريو هو أسوأ السيناريوهات وأخطرها كونه يمهّد لتقسيم جغرافي فعلي يقوم على أساس مناطق النفوذ والسيطرة الراهنة.
تتشابك في الحرب بالسودان المسارات العسكرية والسياسية لتشكل جوهر الصراع
الثاني: مواصلة الجيش السوداني تقدّمه الميداني بمساندة حلفائه في القوات المشتركة وقوات درع السودان والمستنفرين، مستفيداً من تجربته في الفترة السابقة باستعادة ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار وأجزاء من إقليم كردفان، حيث يعمل على تكثيف ضغطه الهجومي لحسم المعارك لصالحه في محور كردفان بالاستفادة من تفوقه الميداني الراهن وتراجع الدعم السريع من المناطق المكشوفة والاعتماد على المسيرات وحرب العصابات وتجنّب المواجهات الكبيرة المباشرة، بالتوازي مع عملياته العسكرية المستمرة في محور دارفور، بينما يستمر في خطة الدفاع والاستنزاف على جبهة النيل الأزرق المشتعلة.
الثالث: حدوث اختراق كبير يشكّل مفاجأة للسودانيين، كأن تثمر بعض الضغوط التي تقودها أطراف إقليمية ودولية فاعلة في مجموعة الرباعية الدولية، عن فرض هدنة إنسانية توقف إطلاق الناري، بعد أن استشعر العالم عظم المأساة التي ضربت السودان وأهله.
على الرغم من صعوبة التنبؤ بدقة بمآلات الحرب في عامها الرابع، أو تصوّر السيناريوهات المتوقعة في العام الجديد، المؤكّد وفقاً للسياقات الجارية أن هذه الحرب تتشابك فيها المسارات العسكرية والسياسية لتشكل جوهر الصراع، لذلك يقف السودان اليوم عند مفترق حقيقي بين مسارين، فإمّا مضي الجيش في مسار الحسم الكامل باستعادة كل الأراضي وإخضاع الدعم السريع، أو الانزلاق نحو تجميد الحرب وفرض الأمر الواقع الجغرافي بمرور الزمن، ومع ذلك لا يستبعد متابعون احتمال حدوث اختراق يفرض هدنة إنسانية أو مساراً تفاوضياً هشاً، لكنه يبقى رهناً بتوافر إرادة دولية حقيقية وقدرة الأطراف المحلية على تقديم تنازلات.

أخبار ذات صلة.
نقد مؤجّل للرواية السوريّة
العربي الجديد
منذ 26 دقيقة