مثل الزيز بالقطرميز
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
الزيز هو تلك الحشرة التي يضيء بعض صنوفها في الليل، ويلعب بها الأطفال ليلاً ونهاراً. أما القطرميز فهو، بلهجة أهل الشام، الوعاء الذي يُحفظ فيه المكدوس والجبن والسمن والكشك والزيت أحياناً، وهو ما يسمّونه "المرطبان" أيضاً. ومحنة الزيز تتجلّى في أنه غير قادر على تسلق زجاج القطرميز فيسقط قبل أن يصل إلى الفوّهة، ثم يعاود الصعود ثم يهوي ثانية مثل سيزيف الإغريقي. والفارق بين الزيز وسيزيف أن الأول لا يسأل عن معنى الحياة وعبثيتها وفساد معناها على غرار ما يجري اليوم في المشرق العربي وإيران، فيما الثاني اختار أن يتحدّى الآلهة وتحكّمها بمصائر البشر وأن يتمرّد على قرارتها. وفي خضم هذا الخراب الذي يلفّ بلدان المشرق العربي كله، وفي معمعان الحرب الهمجية التي تعرّض لها لبنان بسكّانه وعمرانه، صار اللبنانيون غير قادرين على التفاهم، بعضهم مع بعض، حتى في الحدّ الأدنى من العناية بالمصالح المشتركة، بل يتزايد التنافر والتناقض والتباعد والتكاره باطراد. وحين يلتقي فريقٌ من هذه الجماعة فريقاً من جماعة أخرى يشتجر الكلام بينهما فوراً، وبطريقة تشبه مناقرة الديوك الهندية؛ فلا أحد يفهم الآخر، ولا أحد مستعدٌّ لفهم الآخر. إنه حقّاً حوار الطرشان على غرار ذلك الرجل ثقيل السمع الذي سأل جاره "الأطرم": "شو، رايح عَ الكرم؟"، فأجابه جاره: "لا والله، أنا رايح عَ الكرم". فردّ الأول: "آه، اعتقدتْ إنك رايح عَ الكرم". وعلى هذا المنوال، تدور المساجلات والمشاحنات بين اللبنانيين اليوم، وهي نفسها ما كانت عليه في الأمس، ولعلها ستكون على هذا النحو غداً. لذلك ليس غريباً ألبتة أن تبدو الأغلبية الساحقة من التحليلات السياسية التي تغمر شاشات التلفزة اللبنانية خائبة وخائرة في كثير من أسانيدها، وتفتقر إلى المعرفة والمعلومات الصحيحة. أما التحليلات الوحيدة المفيدة فهي، على ما يلوح لي، تحاليل الدم في المختبرات الطبية الممتازة. من طرائف الإعلام اللبناني، بوجوهه المختلفة، الذي لم يتفوّق عليه في الضحالة والنكاية والتزييف غير الإعلام السوري الجديد، أن أحد "المثقفين اللامعين" لا ينفكّ مستشهداً بـِ "الفيلسوف ابن خلدون". ولخيبة هذا "المثقف" فإن ابن خلدون، كما هو معروف، مؤرّخ وليس فيلسوفاً، بل هو معادٍ للفلسفة. وقد أفرد الفصل الحادي والثلاثين من مقدمته للكلام على "فساد الفلسفة ومنتحلها". وبهذه العُدّة الثقافية أو المعرفية تدور مجادلات إعلاميين لبنانيين بلا منطق، ومن دون الحد القليل من الحيدة والنزاهة والموضوعية، بل بكثير من الانحطاط اللغوي. ويستلذ مدمنو الظهور على شاشات التلفزة اللبنانية (ولا ننسى السورية أيضاً) الثرثرة وإعادة تدوير ما يُقال على طريقة المطربة نجاح سلام: "ميّل يا غزيّل ويا غزيّل ميّل"؛ فلا جديد، ولا كلام مفيداً، ولا رأي سديداً، وكل ما يتردّد في الأفواه مكرور، ولا سيما الحديث الدائب عن عودة الحرب الأهلية إلى أزقة لبنان وزواريبه. ومن البدهي أن أي حربٍ أهلية تحتاج دوافعَ خارجية وروافعَ داخلية، وهو غير متوافر في هذه الحقبة. والدوافع الخارجية تكاد تُقتصر الآن على إسرائيل، لكن إسرائيل غير قادرة على دفع الطوائف إلى الاقتتال الأهلي، وإنْ كانت قادرة بالفعل على إحداث مشكلاتٍ أمنية كبيرة، كالاغتيالات والقصف والحيلولة دون عودة سكان القرى الحدودية إلى ديارهم، وهو ما يحصل في سياق الحرب الإسرائيلية الدائرة على لبنان. وفي موازاة ذلك، لا يملك الجيش اللبناني الرغبة، أو حتى القدرة، على مواجهة حزب الله، لا في هذه الأيام الكريهة ولا حتى في الأيام المقبلة.  ليس غريباً ألبتة أن تبدو الأغلبية الساحقة من التحليلات السياسية التي تغمر شاشات التلفزة اللبنانية خائبة وخائرة في كثير من أسانيدها علاوة على التهديد بالحرب الأهلية ودبّ الذعر في فئات واسعة من المواطنين، كثر الكلام في الآونة الأخيرة على أن لا خلاص لهذا البلد إلا بالدولة التي تحتكر وحدها العنف والسلاح. وقد صارت فكرة الدولة، على أهميتها القصوى بلا شك، كأنها أيديولوجية خلاصية متعالية على الواقع، مثل شعار "الإسلام هو الحل" أو مثل الفكرة الشيوعية أو القومية أو الديمقراطية. والدولة، حتى بمفهومها القديم، يجب أن تكون، منذ البداية، دولةً حامية وراعية لشعبها في الوقت نفسه. فهل يمكن تأسيس دولة جديدة في لبنان، حامية وراعية حقّاً، فوق أنقاض مجتمع منقسم طائفيّاً ومذهبيّاً وطبقيّاً وعقيديّاً؟ لقد كانت الدولة في لبنان، منذ أسسها الاستعمار الفرنسي في 1920، أضعف من جميع مكوناتها التاريخية. والدولة العتيدة في لبنان (أمنية تراود كثيرين في أي حال وليست مشروعاً سياسيّاً في طريقه إلى التحقق) إما أن تكون أقوى من جميع مكوناتها، ومؤسّسة على الاندماج الوطني (دولة ومواطنون وليس دولة وطوائف)، أو أن تكون أضعف من مكوّناتها الطائفية. وهذا يعني إعادة تدوير فكرة الدولة اللبنانية القديمة والمهتلكة. وقد كانت الغاية، في بعض المراحل، إرساء بناء الدولة على الإرادة السياسية للشعب، وهذا يتطلب، قبل أي أمر آخر، إنجاز الاندماج الاجتماعي الوطني، وهو ما لم يتحقّق بالطبع، وليس في طريقه إلى التحقق في الحقب القريبة الآتية. وعلى سبيل المثال، الحرب الإسرائيلية الهمجية على لبنان التي لم تُحدث أي نوع عميق من التضامن الوطني (لندع جانباً حالات الإغاثة والنخوة)، بل أحدثت انقساماً جديداً، وزادت من الانقسام الطائفي الموروث، وارتفعت أصوات شروط الأحزاب الطائفية المتخالفة ومشارطها. لم يتفق اللبنانيون على أي شأن جوهري منذ بات لهم كيان سياسي، وصاروا يحلفون عليه بالطلاق. ولم تتغيّر الحال كثيراً في هذه الأيام، وما برح لكل جماعة منطقها السياسي الذي تلوذ به وتحتمي في نطاقه. فلدى اليمين اللبناني منطقٌ لا تعوزه القوة البرهانية، كالكلام عن السيادة وعلى أحقية الدولة في احتكار السلاح وعدم المغامرة في أي حرب ضد إسرائيل خدمة لأي طرف خارجي. ولحزب الله منطقٌ فيه كثير من الحجج الإقناعية أيضاً، كعدم سحب السلاح منه في الوقت الذي يتصدى فيه لإسرائيل التي ما زالت تحتل الجنوب اللبناني، وتغتال الناس في كل يوم. وهذان المنطقان يشبهان في المحصلة حكاية الشيخ وشجرة التوت في فلسطين التي تقول: "نطّ الشيخ على التوتة، والتوتة بدها سلّم، والسلّم عند النجار، والنجار بدو مسمار، والمسمار عند الحداد، والحداد بدو بيضة، والبيضة في الجاجة، والجاجة بدها قمحة، والقمحة بالطاحونة، والطاحونة مسكرة، فيها مي معكرة".  إسرائيل غير قادرة على دفع الطوائف إلى الاقتتال الأهلي، وإنْ كانت قادرة بالفعل على إحداث مشكلاتٍ أمنية كبيرة ماذا تعني هذه الحال في لبنان اليوم؟ إنها تعني أن مكانة حزب الله باتت على جدول أعمال السياسة في المشرق العربي. وها هو يواجه معضلة تاريخية مرّت بها الطوائف اللبنانية كلها تقريباً، وهي انحسار موقعه الذي استوى عليه ربع قرن، أي بعد تحرير الجنوب اللبناني في 25/5/2000. فالدروز، على سبيل المثال، كانوا ملتزمي ضرائب في المقاطعات التي شكلت في ما بعد "جبل لبنان الجنوبي"، وكانت لهم المكانة الأولى في تلك الديار (لندع خرافة الإمارة المعنية جانباً)، ثم انحدروا إلى الموقع الثاني بعد قيام صيغة القائمقاميتين في 7/12/1842، ثم إلى الموقع السادس أو السابع في ترتيب الطوائف اللبنانية بعد الاستقلال. والموارنة حكموا لبنان تحت الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال، ثم انحدروا إلى الموقع الثالث بعد اتفاق الطائف في 30/9/1989 بعدما خسروا الحرب التي فجّرها زعماؤهم الطائفيون وأحزابهم الطائفية في 13/4/1975. والشيعة صاروا طائفة لها حقّ النقض بعد اتفاق الطائف وسريان صيغة الترويكا الحاكمة، وطوال المرحلة التي أعقبت تحرير الجنوب اللبناني في سنة 2000، ثم حرب تموز (2006). وإخال أن الشيعة لن يعودوا طائفة لها حقّ الفيتو بعد هذه الحرب الدائرة في لبنان وفي الخليج العربي. ما كانت هذه التحولات لتحصل في سياق تاريخي متدرّج، أو بالسيرورة الديموغرافية، أو بالطرق الدستورية، بل حصلت بالعنف على نحو ما جرى في سنوات 1840 و1860 و1958 و1975 و2023. واللافت أن معظم تلك الحروب متفاوتة الشدّة كانت متباعدة زمنيّاً. أما اليوم فهي متقاربة، وهو ما يهدّد أساسات هذا البلد الذي نشأ رغماً عن التاريخ والجغرافيا معاً، ولم يتمكن أبناؤه من أن يصوغوا له قواماً متلائماً مع التاريخ والجغرافيا، ومع المصالح المستجدّة لهذا الكيان الجديد. ولبنان كما نشهد تحولاته الخطرة اليوم صار، بفضل مليشيات طوائفه، مجرّد مكان تقطنه جماعات متكارهة تنتمي إلى هوّيات متخيّلة لا جامع لها إلا التنكر لكل ما يناقضها، والنكاية لمن هو في جوارها، والريبة في كل ما هو مختلف عنها، ولا يلجمها عن الفتك بجيرانها غير القوى الخارجية المتحكّمة بمصير هذا البلد، فضلاً عن الخوف على المصالح، وقليل من الحكمة الباقية لدى بعض القادة المؤثرين. وما لا يختلف عليه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، أن من غير الممكن إلغاء الطائفية في لبنان بمجرّد إعلاء الصوت ضد الطائفية. هذه سذاجة فكرية وسياسية، لأن الطائفية ليست مجرّد وعي زائف كما تخيّل الأمر يساريون كثيرون في الماضي القريب، وليست مجرّد خلل بنيوي في النظام السياسي الناتج عن اتفاق الطائف، وبالتالي يمكن إصلاحه، بل هي الأساس في تكوين النظام السياسي الذي أرسى قواعده، وشيّد مداميكه الانتداب الفرنسي، ورسّخت دعائمه الجماعات الطائفية اللبنانية المؤسّسة لذلك الكيان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية