عربي
يأتي الإعلان عن عقد اجتماع ثانٍ بين سفير إسرائيل في واشنطن وسفيرة لبنان هناك في ظل أجواء من عدم اليقين، والالتباس الشديد بسبب السرديات المتضاربة المرافقة لهذه المحادثات التي لم تسفر عن شيءٍ ملموس حقيقي، غير كلام لا طائل تحته من أن اللقاء حطّم المحرّمات، ويمكن أن يكون فاتحةً لفصل جديد من العلاقات بين الدولة العبرية ولبنان.
يجرى الاجتماع الثاني بين مندوب إسرائيل ولبنان في ظل السردية الأميركية التي تلخّص رؤية ترامب بأن هناك إمكانية للتوصّل إلى سلام دائم بين لبنان وإسرائيل، وهي رؤية أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنها لا تستند إلى معرفةٍ حقيقيةٍ وفعليةٍ بالواقع اللبناني وتعقيداته وتشابكه، كما تتجاهل تماماً ما تخطّط له إسرائيل فعلياً في جنوب لبنان.
على صعيد الواقع اللبناني، الإدارة الأميركية مقتنعة فعلاً بجدّية تعهدات الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله. كذلك تعتبر الدعوة الأميركية إلى المحادثات المباشرة في واشنطن ردّة فعل إيجابية على مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون إعلانه عن استعداده لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل التي أطلقها منذ أكثر من شهرين، ورفضها المسؤولون الإسرائيليون.
ولكن الواقع اللبناني أشد تعقيداً بكثير. وليس سرّاً أن خطة نزع سلاح حزب الله التي بدأها الجيش اللبناني منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 لم تمنع حزب الله من بناء قدراته العسكرية من جديد، والاستعداد للحرب التي يخوضها اليوم بشراسة ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. فضلاً عن أن الحزب اليوم يملك ذريعة قوية للتمسّك بسلاحه، تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي الجديد. وذلك كله يجعل تعهدات الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله والاعتماد على العمل الدبلوماسي لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عملية محفوفة بالمخاطر وصعبة التحقيق.
لا يمكن الوثوق بإسرائيل وبصدق نياتها بعد المجازر التي ارتكبتها بحق المدنيين اللبنانيين، وفي ظل حرب الإبادة التي خاضتها ضد المدنيين الفلسطينيين في غزّة
في مواجهة السردية الأميركية، هناك الرؤية الإسرائيلية للمفاوضات المباشرة مع لبنان، والتي تختلف عن الموقف الأميركي. باختصار، يمكن القول إن نتنياهو وافق على التفاوض كما وافق على وقف إطلاق النار، نزولاً عند رغبة ترامب وليس تجاوباً مع إجماع سياسي وشعبي. فكل استطلاعات الرأي تفيد بأن غالبية الإسرائيليين (69%) ليسوا راضين عن توقف المعارك وهم مع استمرار الحرب ضد حزب الله. ومن يتابع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين يدرك أن إسرائيل لم تتوقّف قط عن تحقيق مخطّطاتها في لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار الموّقت، واستمرّت في قضم الأراضي في الجنوب وترسيخ المنطقة العازلة ومنع الجنوبيين من العودة إليها. تستخدم الحكومة الإسرائيلية أسلوباً مزدوجاً في التعاطي مع المفاوضات المباشرة مع لبنان، ظاهرياً هي مع هذه المفاوضات، وضمناً تنتظر فشلها.
وهنا نصل إلى السردية اللبنانية التي هي أكثر إشكاليةً والتباساً. يدخل لبنان في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في ظل اختلال كبير في موازين القوى، فحرب إسناد إيران التي أقحم بها حزب الله لبنان كلّفته غالياً جداً، ولقد خرج منها لبنان جريحاً ضعيفاً. أقام الجيش الإسرائيلي منطقة عازلة، ورسم خطاً أصفر شبيهاً بالذي يفصل شمال غزّة عن جنوبها. وهناك أكثر من مليون نازح عدد كبير منهم دمّرت منازله، والباقي يمنعه الجيش من العودة إلى قراه في الجنوب. وهذه المرّة الاحتلال الإسرائيلي أكثر إيلاماً من أي وقت آخر، فهو يقوم على التدمير والطرد والتهجير وتغيير ديمغرافي حقيقي ومخيف.
تعتقد السلطة اللبنانية أنها قادرة من خلال العمل الدبلوماسي على استرجاع الأرض وتحرير الجنوب. وهي تعمل جاهدة على تجنيد الدول الصديقة من أجل دعمها والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والقبول بالانسحاب. لكنها، في الغضون، لم تبذل الجهد المطلوب، من أجل تجنيد الرأي العام اللبناني لدعم فكرة التفاوض، ولم تشرح له كيف تنوي تحقيق التحرير والانسحابات وما هو المقابل الذي ستدفعه. المواطن اللبناني بحاجة إلى أن يشرح له المسؤولون مضمون التفاوض مع إسرائيل، وما هدفه الأخير: وقف الأعمال العدائية فقط أم توقيع اتفاق سلام وتطبيع للعلاقات؟
المواطن بحاجة إلى موقف شفّاف من حكومته بشأن السلام مع إسرائيل، فلا يمكنه الاعتماد على رؤية ترامب له وفق أهوائه وتقلّب مزاجه، كما لا يمكنه الوثوق بإسرائيل وبصدق نياتها بعد المجازر التي ارتكبتها بحق المدنيين اللبنانيين، وفي ظل حرب الإبادة التي خاضتها ضد المدنيين الفلسطينيين في غزّة. اللبنانيون بحاجة إلى من يطمئنهم بأن مصيرهم لن يبقى معلّقاً في الهواء تتحكّم به إسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية. لا سيما في ظل الانقسام الحاصل بين من يعتبر التفاوض خشبة خلاص للبنان ومن يعتبره خنوعاً واستسلاماً.
المواطن اللبناني بحاجة إلى أن يشرح له المسؤولون مضمون التفاوض مع إسرائيل
أما رفض حزب الله التفاوض المباشر وتخوينه السلطة اللبنانية وادّعاؤه أن سلاحه وصواريخه ومسيراته الانقضاضية ومقاومته وحدها ستحرّر الجنوب من جديد فتبدو أنها ليست أكثر من وعود عرقوبية، ما دام غير قادر على أن يقول لأهالي القرى المهجّرة والنكوبة متى سيحرّر أرضهم، وكيف سيعيدهم إليها، وطالما ما زال يتهرّب من تحمّل مسؤوليته عن خسائرهم البشرية والمادية ومعاناتهم المستمرة، ويضعها على عاتق إسرائيل وحدها، ويحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية معالجة تداعيات الحرب التي هو من بادر إليها بحسابات خاطئة.
بعد حرب لبنان الأولى عام 1982 استمر الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان 18 عاماً، قبل أن تقرّر حكومة إيهود باراك الانسحاب من طرف واحد في عام 2000. والسؤال الذي يطرحه كل لبناني: كيف ومتى وبأي طريقة يمكن طرد الجيش الإسرائيلي من المنطقة العازلة، وكيف يمكن محو الخط الأصفر الذي رسمه؟ وذلك في ظل تخوّفه من ألا تكون المفاوضات وحدها السبيل كما تقول السلطة اللبنانية ولا استمرار المقاومة كما يدّعي حزب الله.

أخبار ذات صلة.
نقد مؤجّل للرواية السوريّة
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة