العراق... أكثر من إعادة تموضع
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في خضمّ الحرب التي تعصف بإيران وتداعياتها، وفي ذروة اعتداءات طهران على دول الخليج العربي، وجد العراق نفسَه عالقاً في أتون معركة لم يجرؤ على اختيارها دولةً ونظاماً؛ بقدر ما فُرِضت عليه نتيجة سنواتٍ من ارتهان قراره السيادي، وضياع بوصلة أجنداته الوطنية. إنّها حرب بدأت تكلّف بغداد أثماناً باهظة، ويبدو أنّ فاتورتها لم تُسدّد بالكامل بعد، فما زالت في خفايا الأيّام فصولٌ لم تُروَ. وليس سرّاً أنّ العراق، وعقب الغزو الأميركي عام 2003، تحوّل إلى حديقة خلفية لإيران، كما لم يعد خافياً أنّ طهران رأت في ذلك الغزو فرصتها الذهبية؛ ليس فقط لتصدير "الثورة" التي نادى بها الخميني عام 1979، وإنّما لتشييد درعٍ استراتيجية تحمي أمنها القومي. فكان أن دعمت وسلّحت قوىً سياسيةً وأخرى مسلّحةً؛ بعضها نبت في الحضن الإيراني طوال سنوات معارضته النظام السابق، وبعضها وُلِد من رحم الانفلات الأمني الذي أحدثته قوات الغزو، والتي لولاها لما وجد التغلغل الإيراني طريقاً ينفذ منها إلى داخل النسيج السياسي والعسكري العراقي. تتوهّم الأطراف العراقية الموالية لإيران إنْ ظنّت أنها ستنجو من العاصفة المقبلة؛ فممفاوضات إيران مع ترامب تضع شرطاً حازماً: "فكّ ارتباط طهران مع مليشياتها في المنطقة" لقد أحسنت إيران استغلال "الفراغ" في العراق وسط انتكاسة عربية، ربّما كان ذلك بمباركة أميركية؛ فأميركا التي وعدت العرب يوماً بأنّها لن تترك العراق نهباً للنفوذ الإيراني، أخلّت بوعودها مع وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض عام 2008. آنذاك، غيّر باراك أوباما الأجندات الأميركية، رافعاً شعار "الانسحاب" رهاناً انتخابياً كسب به أصوات الأميركيين الذين سئموا طوابير الجثث العائدة من بلاد الرافدين. عقب الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، وبعد أن "تجرّع الخميني كأس السمّ" بموافقته على قرار مجلس الأمن 598، أدرك آباء الثورة المؤسّسون أنّ أسوأ أنواع الحروب هي التي تخوضها على حدودك؛ ومن هنا تبلورت فكرة "حوائط الصدّ البعيدة"، عبر زرع المليشيات والأذرع. هذا المشروع ما كان له أن يثمر لولا الغزو الأميركي، لتتحوّل تلك السياسة إلى نفوذٍ بدأ في لبنان، وتغوّل في العراق، قبل أن يجد له موطئ قدم في سورية واليمن. عملت خطوط الدفاع الإيرانية (العابرة للجغرافيا) بوتيرةٍ وتنسيقٍ موحّد، مرتهنةً تماماً لأوامر طهران تحت غطاءٍ (عقائدي)؛ فلقد سوّقت إيران نفسها حاميةً للمذهب ومدافعةً عن فلسطين، لتحقّق نجاحاً في اختراق مجتمعاتٍ سُنّية باتت تمثّل عمقاً استراتيجياً وإعلامياً لها، وهو ما تجلّى في وضوح في الحرب أخيراً، حين وجدنا في تلك المجتمعات من يؤيّد قصف إيران دول الخليج العربي؛ مستسلماً للرواية الإيرانية التي ادّعت استهداف قواعد أميركية لا بنىً تحتيةً، على الرغم من أنّ الوقائع الميدانية كذّبت ذلك وفضحته. إزاء هذا المشهد، كان العراق الرسمي (الدولة والنظام) من أذرع إيران الوظيفية؛ بعد أن تحوّلت المليشيات الموالية لها إلى أداة عسكرية نفّذت عشرات الهجمات ضدّ دول الخليج والأردن وسورية. هذا التغوّل أوقع الحكومة العراقية في صراع كارثي، إذ وجدت نفسها عاجزةً عن ردع مليشيات باتت جزءاً من شرعية الدولة عبر "مؤسّسة الحشد الشعبي" (المُشرعة قانوناً منذ 2016). لقد أصبحت هذه المؤسّسة "الدولةَ الفعليةً"؛ فبينما تتغيّر الحكومات، تظلّ المنظومةُ الحشدية راسخةً بتمويل حكومي، وبتمثيل برلماني، وبأذرع اقتصادية تشاكل "إمبراطورية خاتم الأنبياء" التابعة للحرس الثوري الإيراني، لتستحوذ على مقدرات البلاد. لا يبدو أنّ الولايات المتحدة في "نسختها الترامبية" ستقبل التعامل مع نظام عراقي مرتهن، فبغض النظر عن "النيات الطيّبة" التي يبديها الرسميون في بغداد، يبقى "الفعل الميداني" مناقضاً لها تماماً، وهذا ما دفع إدارة ترامب إلى وضع جائزة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيم حزب الله العراقي أحمد الحميداوي، مع إدراج مليشيات عراقية في لائحة الإرهاب العالمية في تصنيف يؤشّر إلى نيّة واشنطن وطبيعة تعاملها مع العراق خلال المرحلة المقبلة. وهو ما تجسّد أيضاً في رفض دونالد ترامب مرشّح "الإطار التنسيقي"، نوري المالكي، لمنصب رئاسة الحكومة، ما أخرّ تشكيل الحكومة العراقية أكثر من خمسة أشهر، بعد أن تمسّك المالكي بترشيح "الإطار" له، وسط تصلّبٍ أميركي في الموقف الرافض لم يعتد عليه عراق ما بعد الغزو، فمنذ العام 2010، تركت أميركا العراق في تصرّف إيران، التي كانت تقرّر مَن يتولى الرئاسات الثلاث، وليس رئاسة الحكومة فحسب. لا يبدو أنّ الولايات المتحدة في "نسختها الترامبية" ستقبل التعامل مع نظام عراقي مرتهن للخارج تتوهّم الأطراف السياسية العراقية الموالية لإيران إنْ ظنّت أنها ستنجو من العاصفة المقبلة؛ فالعراق اليوم يضمّ عشرات الشركات النفطية الأميركية التي تضرّرت بضربات المليشيات، كما أنّ ملفّ إيران التفاوضي مع ترامب يضع شرطاً حازماً: "فكّ ارتباط طهران مع مليشياتها في المنطقة". اليوم، تقف الحكومة العراقية أمام خيارَين لا ثالث لهما؛ إمّا البدء الفعلي بمطاردة المليشيات وحلّ "الحشد الشعبي" الذي يؤويها، أو مواجهة "مقصلة" العقوبات الاقتصادية الأميركية، وهذا يعني دخول العراق في معركة بقاء قد تدفع الشعب إلى الانتفاض مجدّداً كما فعل في 2019، وحينها لن تجد السلطة وأحزابها ملاذاً حتى في "منطقتها الخضراء". يتجاوز ما هو مطلوب من العراق اليوم مجرّد "إعادة التموضع"؛ المطلوب أفعال تطمئن الجوار العربي قبل واشنطن، وتثبت أنّ "العراق الرسمي" اختار "العراق الوطن"، بغير ذلك، فإنّ الدول العربية التي تضرّرت من نيران انطلقت من أرض العراق، قد تعيد رسم مستقبل تعاملها مع سلطة لا تقوى على لجم الخارجين على القانون.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية