حرب دونالد ترامب تعيد سجال "الدين بخدمة السياسة" في أميركا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
فتحت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران سجالاً دينياً قد لا ينتهي مع نهاية الحرب، وحمل أبعاداً عدة، قد تلقي بثقلها على الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، كما يستغلها الديمقراطيون للتصويب على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يبدو حتى اللحظة غير آبه بالانتقادات الداخلية والخارجية له، الموجهة خصوصاً ضد محاولته تأطير الحرب على إيران بالدينية، ومهاجمة رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، البابا لاوون الرابع عشر. وينقسم السجال الديني بشأن الحرب على إيران، إلى قسمين، أولّهما تأطير دونالد ترامب وفريقه للحرب باعتبارها حرباً دينية مقدّسة، ضد الشر المتمثل بإيران، ومحاولة وزير حربه، بيت هيغسيث، "عسكرة" الإيمان المسيحي، لتبرير الحرب وتصويرها على أنها حرب "عادلة"، في وجه كلّ المنتقدين لها، منذ اليوم الأول، لا سيما المختلفين مع ترامب حولها من حلفاء بلاده التقليديين. أما القسم الثاني، فيرتبط بالسجال المتواصل بين دونالد ترامب وفريقه، وجزء من الجمهوريين، مع الفاتيكان والبابا لاوون الرابع عشر، الأميركي المولود في شيكاغو، والذي يوصف بالليبرالي المؤيد للمهاجرين، وهو السجال الذي يترك أثره داخل المجتمع الأميركي، محدثاً انقسامات حوله، خصوصاً مع إبداء بعض الجمهوريين قلقهم بشأن انعكاساته على الانتخابات. تصوير دونالد ترامب الحرب على إيران بأنها مقدّسة إذ بينما يصوّر ترامب الحرب على إيران، بأنها مقدّسة، ويستخدم حولها أوصافاً وعبارات "دينية"، يشير وفريقه فيها صراحة إلى محاربتهم الشرّ، وحكّام طهران المتدينين، محيطاً نفسه داخل البيت الأبيض برجال الدين والكهنة الإنجيليين، إلا أنه وفريقه ومؤيديه، يواصلون انتقاد البابا لاوون لما يرون فيه تدخلاً منه في السياسة، على خلفية انتقاده للحرب بشكل غير مباشر، واعتباره أن "الله لا يستمع لمطلقي الحرب". الفاتيكان، لم يعارض يوماً الخطاب الجمهوري المحافظ في الولايات المتحدة وأثار دونالد ترامب غضب الأميركيين الكاثوليك، والذين يبلغ عددهم حوالي 53 مليون نسمة، مع استمرار هجومه على البابا، ونشره صورة له مولّدة بالذكاء الاصطناعي، تُصّوره كأنه يسوع المسيح، مؤكدين أن لبابا الفاتيكان، وهو بنظرهم المتحدث باسم الله على الأرض، ومسؤول عن شؤون حوالي مليار ونصف المليار مسيحي حول العالم، يملك الحقّ في إيصال موقفه "الأخلاقي" من الحروب، لا سيما أن معظم العالم، ما عدا إسرائيل، بل حتى حلفاء الولايات المتحدة في الدول الأوروبية، وأبرزها الكاثوليكية، رفضوا الانخراط في الصراع مع إيران، ووصفوا الحرب بأنها غير قانونية، لا سيما بعدما هدّد ترامب بالقضاء على الحضارة الإيرانية. رغم ذلك، فإن معظم السياسيين الجمهوريين في الولايات المتحدة، خصوصاً في الكونغرس، اختاروا الاصطفاف خلف دونالد ترامب في هذا السجال، محذرين في تصريحات لهم، البابا، من مغبة التدخل في السياسة، ومعتبرين أن عليهم الاهتمام بالشؤون الدينية، والابتعاد عن السياسات الخارجية، أو قرارات الحرب والسلم، التي يديرها برأيهم "أقوى رجل في العالم"، وهو ترامب. وبدا أن الحزب الجمهوري وترامب خصوصاً، قد اختاروا الركون إلى تأييد الإنجيليين في هذا السجال، هم الذين حصدوا حوالي 80% بل أكثر من أصواتهم، خلال انتخابات 2016 و2024، واللتين فاز بهما ترامب، لا سيما على خلفية دعم الأخير لإسرائيل، وهم في تنافس مستمر مع الكنائس الكاثوليكية الأميركية، حول مسائل عدة، سياسية واجتماعية، وتقول أرقام إنهم يشكّلون ثلث الأميركيين، وخصوصاً من البيض. أما حركة ترامب، "ماغا"، فلا تزال ملتزمة في العموم الصمت، بشأن هجوم ترامب على البابا، وتصطف خلف الرئيس، رغم الاعتراضات داخلها على الحرب. سجال داخل أميركا رغم ذلك، فقد فتح هجوم دونالد ترامب على البابا لاوون، سجالاً داخل الولايات المتحدة، حمل أيضاً بعداً سياسياً، وغير ديني، ويدور حول العلاقة التاريخية، بين الولايات المتحدة ورأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، وكيف تأرجحت بين الخلاف والتحالف الاستراتيجي، خصوصاً في مرحلة الحرب الباردة، ومحاربة الشيوعية، وهو ما بلغ ذروته في عهد رونالد ريغان، والبابا الراحل يوحنا بولس الثاني، اللذين شُيّد لهما تمثالان في مدينة غدانسك البولندية، احتفاء بدورهما في إسقاط النظام الشيوعي فيها، عام 1989. ولم تكن العلاقة بين الفاتيكان والولايات المتحدة، دائماً سلسة، وكان الفاتيكان قد نصح الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش بعدم غزو العراق، فيما كان الأخير قد استخدم مرة مصطلح الحرب الصليبية في إطار ما أسماها "الحرب على إرهاب". إلا أن السجال بين الطرفين، لم يصل إلى حدّ تبادل الرسائل المشّفرة، كما يحصل اليوم. وفي مطلق الأحوال، فإن ترامب، يعتبر أنّ لديه قدرة على التقاط مزاج الأميركيين، إذ يتداول مؤيدوه أن للشعب الأميركي نفوراً فطرياً من الكنيسة الكاثوليكية "موجوداً في الجينات"، لكنه اليوم قد يتحول إلى حرب مفتوحة، إذ تشعر هذه الكنيسة، أنها قدّمت الكثير للولايات المتحدة منذ قرون، في عمليات متواصلة من التنوير الديني والثقافي والاجتماعي، ودعمت البيت الأبيض سياسياً، في مراحل تاريخية عدة، ووفّرت له الغطاء السياسي المطلوب في السياسة الخارجية، وساهمت كذلك في تعزيز صورة الولايات المتحدة بوصفها دولة كبرى متنوعة وحاضنة للمهاجرين، مع اعتبار أن أكبر جالية كاثوليكية في البلاد، من اللاتينوس. فضلاً عن ذلك، فإن الفاتيكان، لم يعارض يوماً الخطاب الجمهوري المحافظ في الولايات المتحدة، لناحية رفض الإجهاض، أو محاولة التضييق على مجتمع الميم (المثليين والمتحولين جنسياً) رغم ما أبداه الفاتيكان أخيراً من تسامح تجاه هؤلاء. غير أن الخلاف بين ترامب والفاتيكان، لم يبدأ في عهد لاوون الرابع عشر، بل برز في عهد البابا الراحل فرنسيس، الذي انتقد أوامر ترامب ببناء جدار على الحدود مع المكسيك، وهو ما وضع الفاتيكان في مواجهة قوية مع تيار "ماغا"، والذي يضّم عدداً كبيراً من الكاثوليك البيض والمحافظين، والذين انتخبوا ترامب على قاعدة صدّ المهاجرين. بدا ترامب وهيغسيث غير مقنعين في خطابهما الديني، لكن الجمهوريين واصلوا دعمهما وهاجموا البابا لاوون في المقلب الآخر، لم يحدث تصوير ترامب لحربه على إيران، بأنها حرب دينية مقدّسة، الصدى المطلوب، وبدا وزير حربه بيت هيغسيث، المتهم بإدمانه على تناول الكحول، والذي يتقصد إظهار وشم يرمز للحرب الصليبية على يده، غير مقنع، في تصوير الحرب على أنها حرب الخير ضد الباطل، والشرّ، وصولاً إلى وصفها بأنها تشبه قيامة يسوع المسيح، وهو تشبيه اعتمده لدى حديثه عن عملية إنقاذ الجندي الأميركي الثاني الذي سقطت طائرته فوق الأراضي الإيرانية خلال الحرب. وبحسب موقع "جيوبوليتيكال مونيتور" ومقره أونتاريو الكندية، في تقرير له نشر في 15 إبريل/نيسان الحالي، فإن هذا التشبيه لم يكن زلّة لسان، أو استعارة رمزية، بل يدلّ على ارتفاع التأطير الثيولوجي (اللاهوتي)، الذي أصبح ظاهراً أكثر فأكثر في الخطاب المحيط بالحروب لدى صنّاع القرار في الولايات المتحدة. وكان نائب ترامب، جي دي فانس، الذي اعتنق الكاثوليكية متأخراً، في عام 2019، بعدما كان معارضاً أيضاً لسياسات ترامب ويصنّف نفسه في السابق بأنه من فريق "لا لترامب أبداً" (never trump)، قد دخل أيضاً على خط السجال، بقوله إن اعتبار أن الله لا يحب الحروب، هي مقولة خاطئة، وإلا كيف انتصرنا على النازية والشيوعية (نصح أيضاً البابا لاوون بأن يكون حذراً جداً حين يتحدث في الثيولوجيا). وشرح موقع "جيوبوليتيكال مونيتور" كيف أن السياسة الخارجية الأميركية لطالما أدخلت الدين عنصراً أساسياً في خطابها، وذلك في عهود متنوعة، من ويدرو ويلسون، الرئيس 28 للبلاد، إلى فرانكلين روزفلت، الذي اعتبر الحرب العالمية الثانية بأنها حرب الحضارة المسيحية، ضد البربرية، إلى ريغان الذي وصف الاتحاد السوفييتي بإمبراطورية الشيطان. وهذا الأمر، ينطبق اليوم تحديداً مع اعتبار الحرب على إيران، حرب الحضارة المسيحية اليهودية، ضد البربرية، وضد من تصفهم واشنطن في طهران، بأنهم "متعصبون مجانين"، في إشارة إلى النظام الإيراني المتدين شيعياً، والذي يتبع نظام ولاية الفقيه، ويؤمن بعودة إمام الشيعة، المهدي. علماً أن النظام الإيراني بعد الثورة الخمينية، وصف الولايات المتحدة بأنها "الشيطان الأكبر"، ورفع شعار "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل". ويطالب هيغسيث في خطاباته ومؤتمراته الصحافية بأن "يكسر الله أسنان الأعداء والكافرين"، وبـ"لعنة غضبكم"، أن "يقضي الله على الشيطان". ويحثّ وزير الحرب الأميركي، الله، على العمل من "أجل دفع الشيطان إلى التراجع، والنفوس الشريرة كي تذهب إلى اللعنة الأبدية المحّضرة لها". وفي حين يصف الوزير وفريقه، الحرب بأنها مقدسة، عمد إلى تفكيك وحدات داخل الوزارة مخصّصة لمراقبة عدم استهداف المدنيين، وطلب من ترامب العفو عن ضباط متهمين بارتكاب جرائم حرب في العراق ومبعدين عن الخدمة، ويعدّ من أبرز الأصوات المدافعة عن متعاقدي شركة بلاكووتر وأنشطتها غير القانونية في العراق. وبحسب موقع "ذا أتلانتيك" في 14 إبريل، فإن سبب استحضار إدارة ترامب للنصوص الدينية من الإنجيل، لتبرير "إبادة حضارة"، هدفه رغبته مع مؤيديه، خصوصاً من المسيحيين الإنجيليين وتيار المسيحيين الأصوليين (أغلبيتهم من البروتستانت)، إضفاء خطاب لاهوتي ديني على الاستهداف المحتمل لمحطات الطاقة، ومحطات تحلية المياه في إيران، وأي عمل عسكري قد يقود إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين. ويعود ذلك، وفق الموقع، إلى قراءات دينية قديمة، أو سجالات تفسيرية للنصوص الدينية، مع اعتقاد الآباء الأولين بأن الإيمان امتزج بالعنف، لاسيما مع طلب الله من الشعب الإسرائيلي سحق الأعداء. في كلّ الأحوال، فإن رفع ترامب شعار "الدين في خدمة السياسة" سيبقى محلّ اختبار حتى الانتخابات النصفية المقبلة، مع تأكيد وسائل إعلام أميركية، أن شعبيته انخفضت العام الحالي، لدى البيض الكاثوليك، والبروتستانت غير الإنجيليين، والبروتستانت من أصول لاتينية، فضلاً عن الكاثوليك. هذا التراجع في التأييد، كان قد بدأ مع فتح ملفات إبستين الجنسية، وحمل طابعاً أخلاقياً، كما عزّزه التراجع الاقتصادي، وفشل ترامب في تلبية وعوده الانتخابية المعيشية، لتأتي الحرب وتسرّع الابتعاد عنه من المؤمنين غير الإنجيليين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية