تشخيص الأخطاء
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تكاد العلاقة بين السلطة والنقد في المرحلة الانتقالية تصبح علاقة مصيرية، لا مجرد ترف مطلبي أو سياسي. فهذه الفترة، بحكم هشاشتها، ذات حدين، تفتح الباب أمام احتمالات متناقضة: بناء مؤسسات فاعلة، أو انزلاق نحو فساد يُمأسس أنماطا من سوء الإدارة. لهذا يبدو الانتقاد ضرورة لا غنى عنها، وشرطاً من شروط حماية المسار نحو الدولة، بينما الصمت يتيح للفساد أن ينمو. إن السؤال الأهم لا يتعلق بشرعية النقد، بل بطبيعته: متى يكون النقد صحياً؟ ومتى يتحول إلى عامل تشويش أو إضعاف؟ الانتقاد الصحي يبدأ من صلته بالواقع. أي من قدرته على ملامسة ما يجري فعلاً، لا ما يُراد له أن يكون أو ما يُخشى أن يكون. فالنقد الأكثر واقعية، حين تتقاطع التجربة اليومية مع التحولات السياسية، فتتملك الأفراد حساسية أعلى تجاه تفاصيل المعيشة: لماذا تتعطل الخدمات؟ ماذا عن ارتفاع الأسعار، وغلاء الكهرباء؟ كيف تُتخذ القرارات، وأين تظهر بوادر الفساد؟ هذه التساؤلات المباشرة تمنح النقد ثقلاً نوعياً، لأنه لا يعتمد على الانطباعات أو الإشاعات، بل على معايشة ملموسة. وغالبا، حينما يصدر النقد من داخل البلد، لا من خارجه، يتسم بالوعي، ويكون أقرب إلى تشخيص العلل منه إلى الاكتفاء بتوجيه الاتهامات من بعد. أفضلية الداخل لا تعني العصمة. فالقرب من الحدث قد يدفع أحياناً إلى التعميم أو التسرع في الحكم، خاصة تحت ضغط الإحباط أو الخوف المقيم من تفاقم الفساد وسيطرته، لا يخفي إشكاليته، فالنقد الذي يبالغ لا يكذب بالضرورة، لكنه يعيد ترتيب الوقائع بطريقة يبدو فيها الاستثناء وكأنه القاعدة، والخلل مؤشراً على الانهيار. هذا النوع من الخطاب، رغم أنه قد ينطلق من حرص حقيقي، يفتقر إلى ما يضعف قدرته على الإقناع. المبالغة في النقد تحمل مفارقة لافتة: فهي تسعى إلى لفت الانتباه، لكنها قد تفقد الثقة. حين تتكرر الاتهامات نفسها، ويجري تداولها عشرات المرات ويجري تشخيص الأخطاء على أنها: فساد شامل، فشل كامل، انعدام أي أفق، فقدان الأمل... ما يدعو المتلقي إلى التشكيك فيها، فإذا كان البلد على وشك الانفجار، والهاوية علي بعد خطوة، ولا رجاء على الإطلاق، وعبث أية محاولة على الإصلاح، والبلد في حالة تصدع... أولاً وأخيراً، هذا هو الواقع، الأسوأ أن هذا الخطاب يمنح السلطة ذريعة جاهزة لتجاهل النقد كله، باعتباره يخالف الواقع، باعتباره مبالغاً فيه أو مسيساً، ويتعمد تجاهل الحقيقة. النقد الصحي لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يلمّح إلى أفق مقاربة الواقع، ليس في تبرير الاتهام أو الخطأ، وإنما التفريق بين خلل أساسي وخلل عابر، بين سياسة السلطة أو تصرف فردي، بين فساد ممنهج وممارسات ناتجة عن ضعف الخبرة أو قلة الكفاءة. هذا التفريق هو ما يمنح النقد قوته، لأنه يحوله إلى معرفة قابلة للاستخدام. فالسلطة قد تتجاهل الاتهامات المرسلة كيفما اتفق، لكنها تجد صعوبة أكبر في تجاهل نقد محدد، مدعوم بأمثلة وسياقات. النقد الصحي لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يلمّح إلى أفق. ليس بالضرورة أن يقدم حلولاً جاهزة، لكنه يفتح المجال للتفكير: كيف يمكن تصحيح المسار؟ ما البدائل الممكنة؟ ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟ بهذا المعنى، يصبح النقد جزءاً من عملية البناء، لا إعلان فشل مبكر، ولا التلويح بفشل دائم. إن معيار صحة النقد لا يكمن في شدته، بل في البرهنة على صحته.  فالنقد الحاد قد يكون ضرورياً حين يلامس جوهر الخلل، لكنه يفقد قيمته وتأثيره حين يتحول إلى اتهام بلا دليل. إن انفصال خطاب النقد عن الواقع، يمنح السلطة ذريعة لرفض أي مساءلة، بحجة أن كل الانتقادات مفبركة.  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية