موسكو وبكين والتدخّل المؤجّل
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد سقوط بشّار الأسد، باتت طهران الحليف الأساس الوحيد لموسكو وبكين في الشرق الأوسط. صحيحٌ أنّ محتوى تلك العلاقة الوثيقة مع إيران اقتصاديٌّ بالنسبة إلى الصين وعسكريٌّ بالنسبة إلى روسيا، غير أنّ الغاية منهما واحدة، وهي الحضور الجيوستراتيجي الفعّال في هذه المنطقة الحيوية من العالم. وقد تعرّضت طهران لموجاتٍ متتاليةٍ من القصف الصاروخي، ولاغتيال للصفّ الأوّل من القادة والمسؤولين رفيعي المستوى، فيما اقتصرت ردّة الفعلين، الروسي والصيني، العلني على الأقلّ، على الإدانة والاستنكار، وما شابه من تصريحاتٍ سياسيةٍ وخطاب إعلامي، ما يجعل ذلك الموقف بحاجة إلى تفسير. حتى إن صحّت التسريبات بشأن إمداد بكين طهران بأسلحة متقدّمة ومعلومات استخبارية دقيقة، وكذلك حول مساندة روسيا وتضامنها سياسياً مع إيران، إلا أنّ المتوقّع منهما أكبر من هذا وأوسع، وبخاصّة أنّ جانباً مهمّاً في إدارة الحرب الجارية يتعلّق بالإعلام و"البروباغندا" التي تباشرها الأطراف المتحاربة. ما يعني أنّ تبنّي أيّ موقف من طرف ثالث، مع طهران أو مع واشنطن، يفقد قدراً مُعتبراً من تأثيره، ومن ثمّ جدواه، ما لم يكن مُعلناً، وإن بشكل غير رسمي. تقف بكين وموسكو على طرف نقيض من الولايات المتحدة وإسرائيل، على الأقلّ في هذه الحرب، وأعلنتا منذ اللحظة الأولى موقفاً رسمياً يعتبر الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران خرقاً للقانون الدولي يفتقر إلى أيّ مشروعية، وانتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية والمبادئ المستقرّة في العلاقات الدولية وإدارة النزاعات. ويظلّ التساؤل مطروحاً عن أسباب تحفّظ موسكو وبكين عن المضي نحو المزيد من دعم إيران ومساندتها. يكمن تفسير تلك المفارقة في أنّ أكثر النتائج المؤكّدة لهذه الحرب أهميةً هي تكبّد الولايات المتحدة خسائرَ اقتصاديةً فادحةً، واهتزاز صورتها بوصفها أقوى دولة في العالم عسكرياً، وتراجع المكانة العالمية لواشنطن وتقويض هيبتها قوّةً عظمى في العالم، خصوصاً بعد أن هاجمت طهرانَ باستسهال مثير للدهشة، ثم توالت أحاديث دونالد ترامب المتناقضة، وقفزاته البندولية بين سحق إيران وإجراء مفاوضات لإبرام اتفاق، ومعاودة التهديد بضرب مفاصل الاقتصاد الإيراني، ثم أخيراً خفض سقف المطالب الأميركية إلى فتح مضيق هرمز أمام الملاحة... كلّها مؤشّرات قوية على رعونة التخطيط لتلك الحرب، وتفاجؤ واشنطن بانحراف مسار العمليات عن التوقّعات المسبقة الخاطئة. وقد بدأ ترامب بالفعل، متأخراً، يُدرك أنّ الاستمرار في حرب لم تحقّق أهدافها في بضعة أيّام كما كان متوقّعاً، لا يفيد سوى نتنياهو، ويساعده في البقاء في الحكم إلى حين، مقابل استنزاف عسكري واقتصادي لواشنطن وإحراج سياسي لترامب. وبالنسبة إلى روسيا، يستقطع التورّط الأميركي في مستنقع الشرق الأوسط مواردَ إدارة ترامب، ويفقدها بعض قدراتها على المناورة في الأزمة الأوكرانية. بل إنّ الحرب في الشرق الأوسط تضع واشنطن في وضع مشابه نسبياً لموسكو إزاء أوكرانيا. أمّا الصين، فتسجّل بدقّة رصيد دونالد ترامب السيئ في تجاهل الاتفاقات والمواثيق الدولية وإهدارها قولاً وفعلاً. وقد تحتاج بكين إلى استدعاء تلك السابقة، حال اضطرارها إلى تحرّك عسكري ما في ملفّ تايوان، وحينئذ لن تراعي بكين قيوداً قانونية أو قواعد أخلاقية. ليس لدى موسكو أو بكين استعداد لخسارة إيران أو التخلّي عنها بشكل كامل. هذا هو الخطّ الأحمر لهما في الأزمة الراهنة المتأرجحة بين قصف متبادل ومباحثات على جولات متقطّعة. وما دون ذلك الخطّ ليس مقبولاً فقط، بل مفيد للصين وروسيا في حساباتهما الإقليمية. وكلّ اقتطاع من رصيد واشنطن وأوراقها إقليمياً وعالمياً يُعزّز رؤيتهما المشتركة لمستقبل العالم، ولضرورة إقرار نظام عالمي متعدّد الأقطاب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية