في انقسام "ماغا" وانتخابات الكونغرس
عربي
منذ ساعة
مشاركة
حين أطلق ترامب هجومه الكاسح على أبرز نجوم حركته (ماغا) عبر منصّة تروث سوشيال، مستخدماً عبارات من قبيل "أصحاب العقول المتدنّية" و"مثيري المشاكل"، في وصف تاكر كارلسون وأليكس جونز وكانديس أوينز وميغن كيلي، لم يكن يهاجم معارضين أو ليبراليين أو صحافيين من وسائل الإعلام التي طالما وصفها بـ"المزيّفة"، بل كان يهاجم من حملوه على أكتافهم إلى البيت الأبيض. هذه اللحظة ليست مجرّد تصريح متهوّر من الصنف الذي اعتاده ترامب على مواقع التواصل، بل هي المؤشّر الأوضح على أنّ الحرب على إيران أشعلت صراعاً داخلياً قد يعيد رسم ملامح اليمين الأميركي لسنوات مقبلة. وعادةً ما تكون للحروب تداعيات اقتصادية وسياسية بنيوية على جميع الأطراف المشاركة فيها. وهنا تبدو أوضح تداعيات حرب ترامب - نتنياهو على إيران داخل القاعدة الصلبة في حركة ماغا التي كانت حصن ترامب الشعبي المنيع. وقد بدأت تتشكّل ما يشبه الحركة التصحيحية داخل "ماغا" التي يقول قادتها إنّهم يعودون إلى الشعارات التي بُنيت عليها، وأكثرها أهميةً "لا حروب خارجية مرّة أخرى". هذا الخصام داخل القاعدة الترامبية سيكون له تداعيات مهمّة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. لم يعد سؤال العلاقة مع إسرائيل وانتقادها مقتصراً على وسط اليسار وقاعدة الحزب الديمقراطي الشبابية، بل امتدّ إلى القاعدة المحافظة المؤيّدةً لإسرائيل تكمن أهمية كارلسون وجونز وأوينز وباقي نجوم "ماغا" في أنّهم كانوا فعلاً من صاغوا خطاب (وهُويّة) الحركة الشعبوية القومية المسيحية البيضاء لترامب. فلا يكفي وجود ترامب في القيادة لتحشيد الرأي العام خلفه، إذ يحتاج إلى وسطاء يمتلكون شعبيةً ويعرفون كيف يخاطبون الجمهور المتعطّش لتغيير في الطبقة السياسية التقليدية. لذلك، فإنّ الطلاق بين ترامب ومؤيّديه السابقين ليس تفصيلاً عابراً، فهو لم يعتمد على مؤسّسات الحزب الجمهوري التقليدية، بل بنى صعوده على تحالف فضفاض بين مروّجي نظريات المؤامرة ونجوم شبكات اليمين التلفزيونية ونشطاء مواقع التواصل وبرامج "بودكاست". والآن، باتت هذه الرافعة الشعبية في صفّ الخصم لا الصديق. غير أنّ هذا التمايز داخل كتلة ترامب، التي بدت موحَّدةً في بداية ولايته الثانية، لم تكن الحرب على إيران الدافع الأساس له، بل بدأ ذلك مع الإبادة الجماعية في غزّة وما تركته من صدمة لدى الجمهور الأميركي عموماً ولدى اليمين خصوصاً. وللمرّة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، لم يعد سؤال العلاقة مع إسرائيل وانتقادها مقتصراً على وسط اليسار وقاعدة الحزب الديمقراطي الشبابية، بل امتدّ إلى القاعدة المحافظة التي كانت دائماً مؤيّدةً لإسرائيل بغضّ النظر عن وحشية سياساتها. هذه المراجعة لمفهوم "العلاقة الخاصّة" مع إسرائيل فرضت أسئلة في أوساط اليمين لم تستطع حجج مؤيّدي إسرائيل الصمود أمامها: ماذا تستفيد أميركا فعلياً من إسرائيل؟ لماذا تمنح الولايات المتحدة إسرائيل عشرات المليارات في شكل مساعدات عسكرية ومالية، بينما يعاني أميركيون الافتقار إلى نظام صحّي يكفل لهم حدّاً معقولاً من الرعاية في واحدة من أغنى الدول؟ ولماذا التعبير عن الآراء السياسية مسموح به ومحمي بالتعديل الأوّل في الدستور إلا نقد إسرائيل؟ لطالما نجح ترامب في تصوير الانتقادات الموجّهة إليه بأنّها نابعةٌ من أجندة سياسية لا حقائق فعلية، حتى وصلت به الثقة إلى القول إنّه إن أقدم على القتل، فإنّ ثقة مؤيّديه به لن تهتزّ. لكن ترامب هذه المرّة لا يستطيع توظيف الأسلحة ذاتها بالفاعلية نفسها، فهؤلاء المنتقدون ليسوا ليبراليين ولا ديمقراطيين، ولا "جمهوريين مزيَّفين"، ولا أعضاء في "الاستابليشمنت" أو الطبقة السياسية الفاسدة على حدّ تعبيره، بل هم من حملوا ترامب على أكتافهم في منصّاتهم وصوّروه الرئيس القادم من خارج الطبقة السياسية الفاسدة الذي سيجعل أميركا في مقدّمة أولوياته بعيداً عن أجندة المحافظين الجدد وأنصار العولمة. ويكتسب هذا الانقسام أهميته من أنّه يأتي على بُعد أشهر من انتخابات التجديد النصفي المهمّة بشكل خاص لترامب في ما تبقّى من ولايته. فإن نجح في إدامة سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، فسيحافظ على رئاسة هادئة ومعارضة شبه معدومة. وإن حدث العكس، فلن يكون ترامب في وضع مريح، إذ قد يواصل الديمقراطيون (مع احتمال دعم من بعض الجمهوريين) الغوص في ملفّات إبستين وما تحمله من إحراج محتمل لترامب، فضلاً عن توعّد بعض الديمقراطيين بتحريك مسار العزل. وترامب نفسه يدرك هذا الخطر، إذ حذّر في مطلع العام الحالي في خطاب موجّه إلى الجمهوريين: "يجب أن تربحوا انتخابات التجديد النصفي، لأنّه إذا لم نفز، فسيجدون سبباً لعزلي". ليست تخوّفات ترامب من فراغ، فقد قسّمت حرب إيران ووثائق إبستين والإبادة الجماعية في غزّة الحزب الجمهوري، وأصبح الناخبون دون سنّ الأربعين على فجوة واسعة مع الأكبر سناً في الحزبين. والناخبون الأصغر سنّاً لا يدعمون إسرائيل والحروب الخارجية، ويبدون دعماً للفلسطينيين وحقوقهم بشكل غير مسبوق في التاريخ الأميركي. فمن ناحية الحرب على إيران، أظهر استطلاع "رويترز" و"إبسوس" أنّ 66% من الأميركيين يريدون إنهاء التورّط الأميركي في حرب إيران بسرعة. وأظهر استطلاع مركز بيو أنّ لدى 60% من الأميركيين نظرة سلبية إلى إسرائيل، وأنّ الأغلبية تحت سنّ الخمسين في الحزبَين الديمقراطي والجمهوري تنظر إلى إسرائيل ونتنياهو سلباً. يستدعي عزلُ ترامب وطردُه من البيت الأبيض السيطرةَ على أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ وليست استطلاعات الرأي وحدها المؤشّر الوحيد، بل يظهر هذا أيضاً في ارتفاع نسب الرهان في منصّة "Kalshi" إلى 27% على أنّ ترامب سيُعزَل في الكونغرس المقبل، وهو الرقم الأعلى المسجَّل، مع الأخذ بالاعتبار أنّ منصّات الرهان في التوقّعات السياسية تختلف عن استطلاعات الرأي، لأنّ المشاركين يضعون أموالهم على المحكّ، ما يجعل أرقامها تعكس توقّعات السوق، لا مجرّد آراء. ويجدر الانتباه أيضاً إلى أنّ هامش سيطرة الجمهوريين في المجلس ضيّق فعلاً (220 مقابل 215). ومن المعروف تاريخياً أنّ حزب الرئيس غالباً ما يخسر انتخابات التجديد النصفي في الظروف الاعتيادية، فكيف في ظلّ هذه الانقسامات كلّها التي ستجعل حماسة الجمهوريين للانتخابات دون أفضل حالاته. لا يعني ما سبق بالضرورة انقلاباً كاملاً داخل قاعدة الحزب الجمهوري، فما زال ترامب يتمتّع بتأييد قطاعات واسعة من القاعدة المحافظة، وخصوصاً التي تعطي الأولوية لطرد المهاجرين وتبني سياسات أكثر تشدّداً تجاه قضايا الهُويّة والتنوّع العرقي. كذلك إنّ سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني بالضرورة تحوّلاً جوهرياً في السياسات الداخلية أو الخارجية، ولا سيّما في ما يتعلّق بالعلاقة مع إسرائيل، ولا تعني أنّ ترامب سيعزل ويطرد من البيت الأبيض، فهذا يستدعي السيطرة على أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، وهو أمر غير متصوَّر. لكن ما يحدث قد يفتح الباب أمام إعادة فرز سياسية وفكرية داخل اليمين الأميركي، ويُضعف قدرةَ ترامب على فرض الانضباط الكامل داخل معسكره، وبداية تغيير طويل المدى يُنظر فيه إلى إسرائيل لا بوصفها كياناً سياسياً مقدّساً لا يجوز نقده في أميركا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية