مشوار في الربيع
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كان اقتراحاً غريباً بالنسبة إلى الصبية الوجودية المتشائمة التي تفكّر في الموت كثيراً، وأخبرت الرجل الذي تحبّ "غير جادّة" بأنّها تراجعت عن مشروع الخطبة. توقّعت أن يبذل جهداً أكبر في إقناعها وتحسين مزاجها، كأن يرافقها إلى السينما لحضور الفيلم المصري "برشامة"، يقولون إنّه مضحك جدّاً، أو أن يأخذها في مشوار بالسيّارة إلى سدّ الملك طلال للتمتّع بمشاهد الربيع الخلابة في هذا الوقت من السنة، أو على الأقلّ أن يدعوها إلى فنجان قهوة في حدائق الحسين. أمّا أن يدعوها إلى اللقاء في مقبرة، فقد وجدته غير مبرّر، لم يحدث أن زارت مقبرة من قبل، واعتادت أن تشيح بوجهها إن اضطرت إلى المرور من أمام واحدة. لم تنجح الحجج التي ابتدعتها للتنصّل، فاستسلمت لإلحاحه الشديد، وفي الموعد المحدّد، ارتدت أكثر الألوان قتامةً، وعقصت شعرها إلى الوراء، ومسحت أيّ أثر لمساحيق التجميل. تجهّمت ملامحها ومشت ملاصقة له بوقار بدا مضحكاً، اقتربا من سور المقبرة، ظلّ يثرثر بانطلاق غير مكترث بيديها المرتجفتَين ونظراتها الزائغة، وإحساسها الفظيع بالذنب إزاء الموتى. تسمّرت عند البوابة العتيقة المشرّعة بقسوة لاستقبال النزلاء الجدد، فما عادت تقوى على المشي، قالت بغضب: لم أحلم يوماً بدخول مقبرة، ليس سيراً على الأقدام على أيّ حال. همّت بالتراجع، قالت بلهجة لوم: ألا تحسّ بالرهبة أمام الموت؟ لماذا لا تصمت قليلاً؟ كم أنت عديم الاحترام. تجاهل تقريعها وواصل حديثه عن السيّارة الكهربائية الجديدة التي يفكّر في شرائها، مؤكّداً أنّها اقتصادية جدّاً، تقدّمت خطواته، فلحقت به مذعورةً، صدمها المشهد: آلاف القبور ماثلة دليلاً لا يمكن تجاهله على المصير الحتمي المتربّص بها، تخيّلت مراسم جنازتها: سيرافقها حشد كبير من أناس تعرفهم وآخرين لم يحدث أن قابلتهم في حياتها، وبعد التأكّد من إغلاق القبر جيّداً سيغادرون جميعاً، وينهمكون في استقبال المعزّين، ويتقبّلون بامتنان المآدب التي تصل إلى بيت العزاء، ويشربون القهوة المرّة، تخيّلت ضحكاً مكتوماً وحوارات مرحة وأحاديث عن مشاريع مستقبلية. اللعنة! سيواصلون حياتهم يعملون ويسافرون وينجبون أطفالاً موفوري الصحّة. كان يمكن في تلك اللحظة أن تجهش بالبكاء غيظاً، لكن ما أثار دهشتها أنّ المكان لم يكن كئيباً بالمطلق، لمحت راعياً يدخّن باستمتاع بالغ وهو يراقب أغنامه تلتقط الحشائش النابتة بين القبور، وأطفالاً يلعبون الكرة، فيما اتّكأت أمّهاتهم على شواهد القبور وقد انخرطن في أحاديث لا تمتّ إلى الموت بصلة. راعها أنّها ابتسمت وجلست عند أحد القبور، بالقرب منه، وظلّت تصغي إلى ثرثرته التي لم تتوقّف. ارتفع صخب الأولاد حين طارت الكرة بعيداً واستقرّت عند قدميها، أشاروا إليها كي تعيدها إليهم، تردّدت قليلاً، ثم أمسكت بالكرة، وبكلّ ما تملك من عزيمة قذفتها صوبهم، فتقافزوا محاولين التقاطها. نهض الراعي بعد أن نفض التراب العالق بأطراف ثوبه، التقط عصاه وأخذ يهشّ على أغنامه التي ارتفع ثغاؤها احتفالاً بالشبع، وأطلقت إحدى النساء ضحكةً مجلجلةً وهي تسوّي منديلاً انحسر عن رأسها، علا صراخُ طفل رضيع فيما يشبه الاحتجاج، انهمكت أمّه في إرضاعه، دبّ شجار بين طفلَين وجدا لعبةً قديمةً تعفّرت سحنتها بالتراب، فهرب أحدهما متمسّكاً بالغنيمة. تعلّقت بذراعه، ضاحكة وهي تقول: إنّني أتضوّر جوعاً، دعنا نأكل في مكان ما. ثم غادرا باتجاه المدينة حيث الصخب والازدحام.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية