هل يصمد الاتفاق الليبي لتوحيد الإنفاق برعاية أميركية؟
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
أكد رئيس اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة، عبد الجليل الشاوش، الذي مثّل مجلس الدولة في توقيع "الاتفاق التنموي الموحد"، أنّ جوهر الاتفاق ينصب على تنظيم الإنفاق في الباب الثالث من الميزانية، وهو بند التنمية، الذي كان محل نزاع طيلة السنوات الماضية. "فمجلس النواب يعتبر أن الحكومة المكلفة منه هي الجهة الشرعية لتنفيذ الميزانية، بعد أن سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، بينما الأخيرة هي المعترف بها دولياً"، حسب الشاوش. وأضاف، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ التفاهمات انتهت إلى تحديد سقف هذا البند بنحو 40 مليار دينار، على أن يتولى المصرف المركزي عملية التسييل والرقابة على أوجه الصرف، لافتاً إلى أن من أبرز ما تحقق خلال المفاوضات التزام الأجهزة التنفيذية للتنمية في شرق البلاد بعدم اللجوء إلى الاقتراض من المصارف التجارية دون موافقة مسبقة من المصرف، تفادياً لترتيب دين عام على الدولة. ويأتي ذلك في إشارة إلى الدين العام الذي تسبب فيه جهاز التنمية وإعادة الإعمار، الذي يقوده بلقاسم حفتر (الذي يشغل منصب مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا بقرار من مجلس النواب)، والمقدّر بنحو 300 مليار دينار خلال السنوات الماضية، نتيجة اقتراضه من المصارف التجارية الواقعة مقارها في شرق البلاد. كما ذكر الشاوش أن الاتفاق نصّ على تشكيل لجنة فنية مشتركة من مختلف الأطراف، تتولى دراسة المشاريع التنموية وتحديد أولوياتها وتوزيع مخصصاتها وفق احتياجات كل منطقة. وبعد جولة مفاوضات بين ممثلين لسلطتَي شرق وغرب البلاد، استمرت عدة أيام في العاصمة تونس، وبرعاية الولايات المتحدة الأميركية، أعلن مصرف ليبيا المركزي، أول من أمس، توقيع ممثلي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ملحق "الاتفاق التنموي الموحد"، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية على طريق توحيد السياسة المالية في البلاد، بعد أكثر من 13 عاماً من الانقسام. ولقي الإعلان ترحيباً واسعاً من مختلف المؤسسات السياسية، إذ اعتبر رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أن الاتفاق "في حال التزام الأطراف بتنفيذه" من شأنه إنهاء حالة الانقسام المالي التي أثّرت مباشرةً على الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى انعكاساته المحتملة على استقرار الأسعار وتعزيز قيمة الدينار الليبي. في المقابل، أبدى رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، موقفاً متقارباً، في مؤشر على تقارب نسبي بين الحكومتَين في الملف المالي، كما رحّب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بالاتفاق، معتبراً أنه خطوة أساسية نحو توحيد الإنفاق العام وتعزيز الاستقرار المالي، فيما شدد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، في بيان ترحيبي، على أنّ نجاح الاتفاق يظل رهيناً بالتنفيذ الدقيق، خاصة في ما يتعلق بضبط الإنفاق ضمن حدود الإيرادات وحماية الاحتياطيات النقدية. وفي سياق المتابعة الدولية، وصف مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، الاتفاق بأنه "محطة تاريخية"، مشيراً إلى أنه يأتي ضمن جهود أميركية ممتدة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية. ورغم هذا الزخم الإيجابي، تبرز في المقابل مؤشرات توتر داخل معسكر شرق ليبيا، وتحديداً بين أبناء خليفة حفتر، ما دفع مراقبين إلى عدم التفاؤل حيال إمكانية تنفيذ الاتفاق. وقبيل بدء اجتماعات تونس، يوم الاثنين قبل الماضي، التي مثّلت فيها قيادة حفتر شخصيات مقربة من صدام، أصدر شقيقه بلقاسم بياناً رفض فيه مخرجاتها، معتبراً أن المشاركين "لا يمثلونه"، كما هاجم شقيقه الآخر خالد، الذي يتولى منصب رئيس الأركان العامة لقيادة والده، تلك الاجتماعات، واعتبرها "مقترحات خارجة عن إطار الشرعية"، تهدف إلى إطالة أمد الأزمة وتكريس الفساد. أما صدام، الذي يتبعه المفاوضون الممثلون لقيادة والده في اجتماعات تونس، فقد نشر بياناً أوضح فيه أنه أجرى اتصالاً بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، وناقشا "التقدم المحرز" في تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد، في إشارة إلى تحديه لشقيقه وإصراره على المضي في الاتفاق. وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي وأستاذ التمويل والمصارف رجب بورويص، أن هذه التباينات، التي تعكس تنافساً على مواقع النفوذ بين أبناء حفتر، قد تنعكس سلباً في الأيام المقبلة على الاتفاق، مشيراً إلى أن ما يبدو "توازناً ظاهرياً" قد يخفي تنافساً حقيقياً على إدارة موارد التنمية، وهو ما قد يعيد إنتاج الانقسام ولكن بصيغة مالية. ويؤكد بورويص، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الصراع سينتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، وتحديداً حول أدوات تنفيذ الإنفاق، في ظل تعدد الأجهزة التنفيذية المعنية بالتنمية، لافتاً إلى أن جهاز بلقاسم حفتر، المعروف باسم "جهاز التنمية وإعادة الإعمار"، ليس الوحيد الذي ينفذ برامج التنمية في شرق البلاد، إذ برز إلى جانبه "جهاز التنمية الوطني" بقيادة صدام حفتر، الذي بدأ يدير مشاريع كبرى في سرت ومناطق الجنوب، ما يعكس ازدواجية محتملة في إدارة الموارد. ويطرح بورويص تساؤلات حول الجهة التي ستتولى فعلياً تنفيذ مخصّصات التنمية في شرق البلاد، مشيراً إلى إمكانية عودة الخلافات بين الشرق والغرب في ظل ارتهان تنفيذ الاتفاق للجنة فنية مشتركة ستحدّد حصص كل طرف، وهو ما قد لا يكون مهمة سهلة في ظل تعدد مراكز القوة. ويرى بورويص أن الاتفاق يمثل خطوة غير مسبوقة نحو توحيد السياسة المالية، مشيراً إلى أنه قد يسهم في كبح الازدواج المالي الذي أدى إلى تضخم الإنفاق واستنزاف الاحتياطيات، كما يعزّز كفاءة توزيع الموارد عبر ربط الإنفاق بالإيرادات الفعلية، ويعيد قدراً من الثقة إلى الاقتصاد، بما قد ينعكس إيجاباً على سعر صرف الدينار ويخفف الضغوط التضخمية. غير أن هذه المكاسب، وفقاً لبورويص، تظل مشروطة بقدرة المصرف المركزي على فرض رقابة فعلية على جميع قنوات الإنفاق، وهو تحدٍّ كبير في ظل الانقسام المؤسسي القائم، كما أن بناء تقديرات الميزانية على إيرادات النفط يظل رهيناً بتقلبات الأسعار العالمية، ما يضيف عنصراً من عدم اليقين إلى الاستدامة المالية. وفي البعد السياسي، يلفت بورويص إلى أن الدور الأميركي يعكس سعياً دولياً لاستخدام المسار الاقتصادي مدخلاً لإعادة الاستقرار، إلّا أنه يؤكد أن الانخراط الأميركي "يبقى محكوماً بحسابات المصالح، فاستقرار ليبيا يمثل أولوية لواشنطن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ضمان التزام كامل من الأطراف المحلية بمعايير الشفافية، خاصة في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة قادرة على فرض الانضباط".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية