عربي
تشير التصريحات المتبادلة إلى أنّه لا يوجد في الأفق بعد ما يفيد بإمكان عقد تفاهمات (في المجال الأمني) سورية إسرائيلية، بما يضع حدّاً لمداخلات إسرائيل في الشأن السوري، جغرافياً وأمنياً وسياسياً بسبب تعنّت إسرائيل، وغطرستها، ولا مبالاتها بالتسوية مع سورية أو مع غيرها، ولا حتى باتفاقات التطبيع التي عقدتها مع عدة دول عربية في ظلّ قدرتها على ممارسة الأعمال العدائية من دون حسيب أو رقيب دولي.
ويمكن تفسير هذا بأنّ إسرائيل اليوم تقودها حكومة المتطرّفين، بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وتعتقد أنّه بإمكانها فرض "السلام بالقوة" (والصحيح فرض "الاستسلام بالقوة") على الأطراف المعنية، بحسب مصالحها، وتنطلق في هذا من شعورها بالقدرة على أن تكون قوةً إقليميةً عظمى في الشرق الأوسط، بعد حرب إبادة وحشية شنّتها منذ عامين ونصف العام على أكثر من جبهة، في غزّة ولبنان وغيرهما، كما تنطلق من الدعم اللامحدود الذي تقدّمه إليها الولايات المتحدة في ظلّ إدارة ترامب، في المجالات كلّها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
تعرف إسرائيل أن الموقف السوري منها يتأسّس على ما قرّرته الشرعية الدولية، ووتتهرب إسرائيل من هذا الاستحقاق
على ذلك، كلام وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن تعثّر التقدّم في التفاوض مع إسرائيل، بسبب رفض الأخيرة العودة إلى اتفاق 1974، الذي طرحته سورية أساساً لأي عملية تفاوضية جديدة معها، يأتي في هذا السياق، خاصّة أنّ إسرائيل تعدّت حدود الاتفاق واستباحت مساحات جديدة تمكّنها من فرض ظروف تفاهم مختلفة عن سابقتها.
أيضاً، ربّما يفيد هذا التصريح بأنّ إسرائيل تتهرّب من هذا الاستحقاق، لأنّها تعرف أنّ الموقف السوري إزاء إسرائيل يتأسّس على ما قرّرته الشرعية الدولية. أولاً، في شأن استعادة الجولان السوري المحتل. وثانياً، في شأن الاستناد إلى الموقف العربي بخصوص عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية، وفقاً للمبادرة العربية للسلام التي أُقرّت في مؤتمر القمّة العربي (بيروت 2002).
تبعاً لهذا، يمكن النظر إلى استمرار اعتداءات إسرائيل ومداخلاتها في سورية باعتبارها بمثابة ردٍّ على الموقف السوري بخصوص رؤية دمشق للحلّ السياسي، وبخصوص محاولتها تصفير المشكلات مع دول المنطقة، واعتماد الطرق الدبلوماسية لحلّ الخلافات السياسية نهجاً اعتمدته السلطة الجديدة بعد زوال حكم بشّار الأسد، وبعد التغيّرات السياسية في المنطقة عموماً، وخروج إيران وأذرعها من سورية. وهكذا، تسعى إسرائيل، من خلال توسيع حالة الحرب الحالية واستمرارها ضدّ إيران وأذرعها في المنطقة، ومن خلال مداخلاتها السياسية والأمنية في سورية، إلى تحقيق طرحها الأمني المتعلّق بإنشاء مناطق عازلة في الجنوب السوري، في محافظات السويداء والقنيطرة ودرعا، على نحو يوازي ما تسعى إليه في لبنان وما فعلته في قطاع غزّة، معيدةً بذلك مفهوم "الجدار الحديدي" الذي لازمها منذ نشأتها الأولى بعدّه أحد مرتكزات عقيدتها التقليدية الأمنية، لمنع التهديدات، وتعزيز أمنها، من خلال ترتيباتٍ تضمن تفوّقها الأمني على دول الجوار كاملةً، من دون أن يعني هذا أنّها لن تتمدّد إلى ما بعد تلك المناطق فيما لو اقتضت ضروراتها "الأمنية" ذلك.
بيد أنّ مفهوم "الحائط الحديدي" اليوم لا يقتصر على البعد العسكري، ولا على الجغرافيا، إذ بات يشمل تدخّلات إسرائيل في الدول المجاورة في محاولة لإحداث استطالات تتقاطع، أو تتماثل معها عبر محاولة تشكيل الدول المجاورة على أسس طائفية وإثنية، فتصبح ظاهرة إسرائيل دولةً يهوديةً أمراً عادياً.
أكبر حائط صدّ للمداخلات الخارجية، ولا سيّما الإسرائيلية، يتمثّل في الشعب السوري
بديهي أنّ هذا التوجّه ليس خافياً على القيادة الجديدة في سورية، التي تدرك حقيقة المطامع والمداخلات الإسرائيلية المريبة والمضرّة، التي تتجاوز البعد الدفاعي والأمني أو تتغطى به لتوسيع مناطق سيطرتها بالوسائل العسكرية التي تخضع لها لاحقاً الاتفاقات السياسية، مستغلّةً في ذلك الظروف المعقّدة التي تمرّ بها سورية على الصعيد الداخلي، وانشغالها في معالجة أوضاعها الاقتصادية والمعيشية، وفي حلّ مشكلة إعادة الإعمار المتعثّرة في ظلّ الظروف الدولية، كما استعادة الاستقرار الاجتماعي وتجاوز الخلافات والتباينات الداخلية، وبناء مؤسّساتها، خصوصاً الأمنية منها على أسس "دولتية" غير فصائلية، لأنّ هذه المسائل كلّها هي التي تشكّل ما يمكن تسميته "الإطار" الذي يمكن أن يُحدث إجماعات وطنية سورية تحصّن البلد والمجتمع إزاء أيّ تهديدات ومخاطر خارجية.
إذن، يمكن القول إنّ سورية في أوضاعها الحالية تجد نفسها في وضع صعب، ومع ذلك تملك القدرة والإرادة لصدّ ما تبيّته لها إسرائيل، مستندةً في هذا إلى الشرعية الدولية والاحتضان العربي، لكنّ أكبر حائط صدّ للمداخلات الخارجية، ولا سيّما الإسرائيلية، يفترض أن يتمثّل في الشعب السوري، وهذا ما يفترض أن يكون في مركز اهتمام السلطة السورية وأولوياتها، لأنّ وحدة شعب سورية الضمانة لوحدة الجغرافيا السورية، وسيادة الدولة على أراضيها.

أخبار ذات صلة.
الاحتلال يستغل الحرب لتعطيش أسواق غزة
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة