عربي
ما جرى أخيراً من وقائع حرب مدمّرة ووحشية شنّتها الولايات المتحدة وحليفُها الكيان الصهيوني على إيران، حبس أنفاس البشر، فتابع الناس، أينما كانوا، كثيراً من أحداثها المفجعة بكثير من التوتّر والانقباض. قد تكون هذه الحرب ناجمةً عن أهواء وأمزجة شخصية مَرَضية تسكنها عواطف كثيرة: الثأر والحقد والكراهية، وبعضٌ من جنون العظمة والميول السادية، فضلاً عن مزاج عدواني متقلّب. إنّها ليست حرب الأميركيين، ولا حرب الغرب، هكذا بلّغ الشارع الأميركي رئيسه ترامب، فضلاً عن قادة أوروبا وغيرهم. والأرجح أنّها حرب ترامب الشخصية التي قاد إليها عنوةً بلاده والعالم، وذهب شبه وحيد في حربه العبثية تلك، إلّا مع من يشبهه في أهوائه تلك وأمزجته المتقلّبة وانفعالاته، من جوقة أصهاره وصديقه "بيبي"، كما يحلو له مناداته.
بحث ابن خلدون عن "سنن" العمران البشري التي لا تقبل أن تكون تلك التفاصيل الأخلاقية الصغيرة محدّدةً لحدث تاريخي جَلل، على غرار نكبة البرامكة
إلى أواخر القرن العشرين، سادت في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، خصوصاً، مقاربات علمية استبعدت تماماً في تفسيرها للنزاعات بين الدول (الحروب) أو للتحالفات الثنائية أو الجماعية، نظريات تعتمد على العوامل البنيوية والهيكلية، على غرار المصالح الجيوسياسية للبلدان، والقوة، والفضاء الحيوي، والعقلانية الاستراتيجية، وغيرها من عوامل كبرى، مستبعدةً الفرد استبعاداً حاسماً، بقطع النظر عن موقعه: زعيم، رئيس دولة، قائد عسكري... إلخ. وتدعّمت هذه المقاربات بمختلف تقنيات البرهنة على غرار الإحصاءات، وخرائط الطاقة والممرّات، وحجم التبادلات، وإسقاطات كثيرة على المستقبل لبناء سيناريوات قد تكون مفيدةً لصنّاع القرار. رسّخت هذا الباراديغم (النموذج) النظرياتُ البنيويةُ التي "قتلت الفاعل/ الفرد" منذ الستينيّات، وجعلت البنى والهياكل هي التي توجّه الأفعال والأحداث السياسية والمبادرات والعلاقات الدولية، علاوة على الحروب والنزاعات. كانت هذه المساعي النظرية مسكونةً بضرورة الموضوعية التي تُبنى عبر طمس المسائل التي لها علاقة بالنوازع الذاتية والانفعالات والأهواء... إلخ. شكلّ هذا منهجاً واسعاً سمّي بتسميات مختلفة، شملت جميع الحقول الإنسانية والاجتماعية، ولم تسلم العلوم السياسية والعلاقات الدولية من هذا المنحى.
اختفت تدريجياً الحكايات والروايات التي كانت تنقلها كتابات الإخباريين ومؤرّخي البلاطات والآداب السلطانية وغيرها، التي أخبرتنا عن أمزجة الملوك والسلاطين وعواطفهم وعقدهم وأهوائهم، وكانت حكايات مسلّية وممتعة وشائقة لفهم بعض أحاجي وألغاز أحداث دولية كثيرة، خصوصاً في العصور القديمة، بل حتى في العصر الحديث. وقد يكون ابن خلدون قد أسهم في هذا الاتجاه حين بحث في موضوعة "نكبة البرامكة"، مستبعداً تماماً "أحاديث الحريم" (زواج العباسة أخت هارون الرشيد من جعفر البرمكي)، باحثاً عن "سنن" العمران البشري التي لا تقبل أن تكون تلك التفاصيل الأخلاقية الصغيرة محدّدةً لحدث تاريخي جَلل، على غرار نكبة البرامكة.
حين طُردت تلك الحكايات الخاصة عن سلوك الزعماء والقادة، انتشر، على خلاف ذلك، عديدٌ من المذكّرات والشهادات التي لم تخلُ من تشويق أخّاذ وهي تروي تفاصيل صغيرة من حياة الزعماء، حتى المعاصرين منهم، وكانت وراء أحداث كبرى: كواليس، وأثر النساء، وكوابيس، وأحلام، وهوس... هي رغبات كانت كلّها عوامل في "إنتاج" أحداث تاريخية عظيمة. ثمّة رابط عجيب بين تلك التفاصيل الصغيرة (التافهة والعرضية) التي قد تغوص في حميميات الفرد، ومنعطفات كبرى في تاريخ الدول، خيط رهيف مهمل عادةً قد يشدّ الذاتي والشخصي الدفين إلى الحدث الدولي والتحوّلات الكبرى التي شهدها عالمنا المعاصر. هذه الأخبار التي يرويها من رافقوا هؤلاء الزعماء والقادة أو عرفوهم عن قرب، أو استطاعوا جمع مادّة من الأخبار والوثائق صادرة عن دوائرهم وعوالمهم الخاصّة، تجد حالياً إقبالاً منقطع النظير، إذ تسجّل، في أحيانٍ كثيرة، هذه المؤلفات أرقاماً قياسية في عدد المبيعات. يفسّر بعضهم هذا بأنّ الناس لا يزالون يستمتعون بالحكاية والقصَص، خصوصاً إذا تعلّق الأمر بمشاهير السياسة والرياضة والفنّ. قد يكون ولع التلصّص مغذياً لهذا الإقبال الذي يكشف تلك التفاصيل الصغرى لهؤلاء القادة، ولم تصنع لهم مجدهم أو انحدارهم فحسب، بل ساهمت أيضاً في تحوّلات العالم وإنتاج أحداث دولية كبرى.
مسائل متعلّقة بشخصية ترامب حدّدت تطوّرات دراماتيكية قد تغيّر وجه المنطقة العربية
تقدّم الحرب أخيراً مختبراً ثرياً لفحص تلك الفرضية، ذلك أنّنا نفترض أنّه ثمّة مسائل خاصّة متعلّقة بشخصية ترامب قد حدّدت، إلى حدّ كبير، التطوّرات الدراماتيكية التي قد تغيّر وجه المنطقة العربية في السنوات المقبلة. شكّلت إدارته، سواء في العهدة الأولى أو ما انقضى من مدّتها الثانية، مثالاً حيّاً على صحّة هذا الانحراف الكبير في السياسة الدولية إلى الارتهان لتلك الأمزجة والأهواء الشخصية المَرَضية، ولا شكّ أنّه قدّم مؤيّدات عديدة تبرهن صدق ما يذهب إليه باحثون وخبراء عديدون.
حين وصف زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون ترامب بـ"العجوز المجنون والخرف"، لم تكن إجابة الأخير دبلوماسيةً، بل ردّ بعد ساعات الصاع صاعين، فصرّح "أنّه قد يدمّر كوريا الشمالية تدميراً كاملاً". هل نحن أمام علاقات دولية تقتضي حتى نفهمها "باراديغمات" عقلانية، أم أنّها تنحدّر إلى مهاترات وملاسنات عبثية لا ندري إلى أين تقودنا المرّة المقبلة؟ بعد ذلك بأشهر قليلة يلتقي ترامب الزعيم الكوري ويُعرب عن إعجابه البالغ به، ويغضّ النظر عن تلك الدكتاتورية التي تمتلك ترسانة نووية مدمّرة.
قد تنحرف العلاقات الدولية في سياق صعدت فيه الشعبويات؛ عديدُ من رؤساء بارعين في التلاعب بالعواطف، إلى انفعالات عابرة وأمزجة متقلّبة لا تخلو من تضخيم وتجييش.

أخبار ذات صلة.
الاحتلال يستغل الحرب لتعطيش أسواق غزة
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة