عربي
بينما تتصاعد أزمة الأسمدة عالمياً بسبب الحرب الإيرانية، ويتنامى طلب الدول على المواد الحيوية لإنتاج الغذاء، تواجه شركة الفوسفات التونسية أزمة مالية حادة تنذر بمزيد من تراجع الإنتاج وتوقف المغاسل، نتيجة عجز المؤسسة الحكومية عن دفع رواتب موظفيها.
وتعيش شركة فوسفات قفصة، إحدى أبرز المؤسسات العمومية في تونس، على وقع أزمة مالية غير مسبوقة، بلغت حدّ العجز عن صرف أجور العاملين في آجالها، في تطور يعكس عمق الاختلالات التي يعانيها قطاع الفوسفات، رغم الظرف الدولي الذي كان يفترض أن يشكّل فرصة تاريخية لتعزيز الإنتاج والصادرات.
ومؤخراً، حذّرت الجامعة العامة للمناجم التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، في بيان لها، من تدهور الوضع المالي للشركة، مؤكدة أن تراكم الديون وصعوبات السيولة أدّيا إلى تأخير صرف أجور العمال، في سابقة تنذر بتداعيات اجتماعية خطيرة في منطقة الحوض المنجمي.
ولطالما شكّل الفوسفات، المعروف بـ"الذهب الأبيض"، أحد أعمدة الاقتصاد التونسي ومصدراً أساسياً للعملة الصعبة، إذ يساهم بنحو 10% من إجمالي عائدات الصادرات. غير أن هذا القطاع شهد تراجعاً حاداً خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفض الإنتاج من أكثر من ثمانية ملايين طن عام 2011 إلى أقل من ثلاثة ملايين طن في السنوات الأخيرة، أي بتراجع يفوق 60%. كما تراجعت مكانة تونس عالمياً بين كبار المنتجين، ما أفقدها جزءاً مهماً من نفوذها في سوق الأسمدة الدولية.
وتأتي نذر أزمة الفوسفات الجديدة في وقت تشهد فيه سوق الأسمدة العالمية اضطرابات متزايدة نتيجة التوترات الجيوسياسية والحرب الإيرانية، التي أدت إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على الفوسفات ومشتقاته.
وكان من الممكن أن تستفيد تونس من هذا الظرف عبر رفع إنتاجها وتوسيع صادراتها، خاصة أن صادرات الفوسفات شهدت بالفعل ارتفاعاً في القيمة خلال السنوات الأخيرة بفعل الأسعار المرتفعة.
غير أن الخبير في التنمية، حسين الرحيلي، يرى أن تسارع الأحداث العالمية وزيادة طلب الدول على تأمين احتياجاتها من الأسمدة في فترة وجيزة، قد يدفع بتونس مجدداً إلى خارج خريطة التصدير العالمية، ويفوّت على البلاد موارد مهمة.
وقال الرحيلي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنه رغم امتلاك البلاد احتياطيات مهمة من الفوسفات، فإن هذه الثروة لا تُترجم إلى عائدات فعلية بسبب تعطل الإنتاج وضعف الاستثمار.
وأشار إلى أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أدى إلى تنامي مخاوف المزارعين عالمياً بشأن توافر الأسمدة، في ظل اعتماد جزء مهم من الإنتاج العالمي على مصانع الخليج، مؤكداً أن الدول الأكثر جاهزية للإنتاج هي الأقرب لعقد صفقات لتوفير الأسمدة للموردين.
وأضاف أن "المجمع الكيميائي غير قادر على رفع طاقة إنتاجه في هذه الفترة، خصوصاً أنه يعمل بطاقة لا تتجاوز 30%، وذلك بسبب قِدم المعدات، والاحتجاجات البيئية، واستمرار المطالب بتفكيك بعض وحداته". وفي تقديره، فإن تونس أضاعت فرصة ذهبية جديدة للاستفادة من ثرواتها الفوسفاتية الضخمة.
لكنه شدد على أن العمل على إخراج القطاع من أزمته الحالية قد يجعل من البلاد وجهة بديلة للباحثين عن الأسمدة، مؤكداً أن الحرب الحالية ستغيّر، في كل الأحوال، خريطة سوق الأسمدة عالمياً.
ويقول الرحيلي إن إعادة تنشيط قطاع الفوسفات تتطلب مخططاً استراتيجياً لإعادة التوازنات المالية لشركة فوسفات قفصة، إلى جانب ضخ استثمارات كبيرة لتجديد معدات الإنتاج التي تقادمت وباتت تعرقل تحسين مردودية القطاع.
وعلى الرغم من الصعوبات التي يواجهها قطاع الفوسفات التونسي، لا تزال السلطات تسعى إلى استعادة موقع البلاد ضمن كبار المنتجين عالمياً، مدفوعة ببرنامج طموح لاستغلال مناجم جديدة تحتوي على احتياطيات مهمة، قادرة على رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون طن سنوياً.
وكانت تونس رابع أكبر منتج للفوسفات في العالم، إذ بلغ إنتاجها عام 2010 نحو 8.2 ملايين طن، لكنها فقدت هذا المركز، وتراجع إنتاجها عام 2016 إلى 2.6 مليون طن، بخسائر تجاوزت ملياري دولار، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 4.5 ملايين طن عام 2017، ويستقر في حدود 3.5 ملايين طن خلال السنوات اللاحقة. وكشفت الحكومة التونسية عن خطة لمضاعفة إنتاج الفوسفات خمس مرات بحلول عام 2030، بعد تسجيل تعافٍ نسبي في القطاع الذي شهد تراجعاً حاداً منذ عام 2011.

أخبار ذات صلة.
حين يفقد العالم معناه... هل ينقذنا الأدب؟
العربي الجديد
منذ 44 دقيقة