عربي
لماذا نهتمّ بالكتابة بينما يحترق العالم؟ وهل يصبح الأدب في زمن الكوارث محاولة لتجاوز المتعة والجمال بحثاً عن البقاء؟ يقدم الباحث والناقد الأميركي إد سيمون في كتابه "الكتابة أثناء نهاية العالم: تأملات في التفكّك الكبير" (دار بلومزبيري، 2026) رؤية تستكشف حضور الأدب في أزمنة الحروب والأوبئة، محاولاً البحث عن إجابات يتردّد صداها في عدة أعمال أدبية عالمية ترجم بعضها إلى العربية، حول دور الأدب في المواجهة والبقاء.
يناقش إد سيمون حضور الأدب والكتابة في أزمنة التحولات السياسية والجوائح والحروب والتغيّر المناخي، إذ يرى أن استمرار حضور الخيال والفن والإبداع ليس ترفاً، بل ضرورة وسبب من أسباب البقاء، خصوصاً في غياب الاستقرار وتسرّب أفكار من قبيل "دمار العالم" إلى الوعي الجماعي، أو انتشار شعور عام مثلاً، بأنّ المستقبل لن يكون أفضل حالاً من الماضي، ما يقود إلى ضرورة أن يتجاوز الكاتب دوره في إبعاد القراء عن هذا الواقع المؤلم إن حدث، وصولاً إلى محاولة منح العالم معنى جديداً من خلال الرواية أو القصة أو الإبداعات الفنية.
لإثبات فكرته حول علاقة الأدب ببقاء البشر، يحاول سيمون تقسيم أنواع الكوارث المعاصرة وتحليلها، ويبدأ بالأوبئة، إذ يستحضر جائحة كوفيد 19، ثم يتناول أعمالاً عن الجوائح، من أبرزها "الديكاميرون" لبوكاتشيو، التي تجسد القوة النفسية للإنسان ورغبته الداخلية في البقاء، ومحاولة تغيير الواقع عبر سرد القصص التي تحفز على التمسك بالحياة لتجاوز وباء الطاعون. ثم يتناول أعمالاً حديثة وأخرى معاصرة، منها رواية "الإنسان الأخير" لماري شيللي (ترجمة عبدالعزيز العنزي، دار الخان، 2018)، وتدور أحداثها حول وباء يقضي على البشر في نهاية القرن الحادي والعشرين فيما هم منشغلون بالصراعات، ليظلّ رجل واحد فقط على قيد الحياة، ومن خلال الاستعانة بهذه الرواية، يقول سيمون إنّ الوجود البشري محاط بالهشاشة، وإنّ الثروة والقوة وحدهما لا تكفيان من أجل البقاء، فالإنسان يحتاج إلى قيم جمالية وأخلاقية وارتباط أعمق بالحياة، يوفرها له الأدب والسرد من خلال الكتابة.
يتصور سيمون الحرب عدواً للأدب الذي يجسد قيم البقاء، مؤكّداً أن محاولات بعض الكتاب والأدباء إضفاء معنى أو منطق على الحروب يضع كتاباتهم في خانة التواطؤ مع العنف، ويستعين بالشعر مثالاً من خلال تجربة الشاعر البريطاني اللورد تينيسون (1809-1892)، الذي مجّد الحرب في قصائده رغم عدم خوضه لها أو معرفته بأهوالها، مقابل شعراء ممن اختبروا الحرب وانتقدوها مثل الشاعر الأميركي والت وايتمان. وربما يذكر هذا بمؤلفات وينستون تشرشل حين كان صحافياً، إذ احتفى من خلالها بمعارك بريطانيا الاستعمارية في الشرق وفي أفريقيا، دون أن يذكر المذابح والمجازر التي ارتكبها جيش الإمبراطورية آنذاك.
الأدب والفنون من أسباب البقاء البشري لا ترفاً يُستغنى عنه
عبر استعادة هذه النماذج، يتوقف المؤلف عند الاستبداد العالمي الراهن، وصعود اليمين القومي المتطرّف في دول عدة، وانتشار اللامساواة والعنصرية وتسويغ الحروب باسم مجموعة من القيم الكاذبة، التي يراها أسهمت في "تطبيع البشر" اليوم على التنبؤ المتكرّر بانهيار العالم من حولهم، مما قاد للاعتياد على المآسي والكوارث في ظلّ تراجع دور الأدب الذي يفكك الاستبداد والكراهية وتغليب القوة على الحق.
خلال أكثر من مئة عام، ظهرت روايات عدّة ناهضت الحرب بأساليب متنوعة، خصوصاً في حقبة الحربَين العالميتَين، وتُرجِمَت منها حديثاً روايتان إلى العربية، الأولى "انطفاء القمر" للكاتب جون شتاينبك، وترجمتها إلى العربية لطيفة الحاج (ديوان، 2025). تعد الرواية مثالاً بارزاً يدعم فلسفة سيمون حول دور الأدب في مواجهة السلطوية العسكرية، ونشرت أول مرة عام 1942 لتخليد حركات المقاومة ضد الاحتلال الألماني في أوروبا. يقدم شتاينبك مفهوماً لفلسفة الحرية، يقوم على افتقار المحاربين للقدرة على تقرير المصير وطرح التساؤلات والشكوك حول ما تسببه أفعالهم من كوارث، بسبب خضوعهم لمجموعة من المثل العليا التي تجسد رغبات سلطات أعلى منهم، ما يثير جدلاً أخلاقياً عبر تسليط الضوء على صورة الجندي كضحية، يقتل لخدمة أهداف الآخرين.
أما في الرواية الثانية: "وحيداً حتى النهاية" للكاتب الهنغاري ميلان فيشت، وترجمها عبدالله النجار (بوملحة للنشر، 2026)، نشهد أثر الحروب في تدمير قدرة الإنسان على الإبداع، إذ يصبح بطل الرواية وهو مؤرخ متخصص في الفنون، جندياً يرتدي الخوذة ويقف على الجبهة، وفيما تدور المعارك، لا يهتم أبداً فيما إذا كان يتقدم أم يتراجع، ينتصر أو يُهزَم، بقدر ما تؤلمه الخسارات التي يتعرض لها كل لحظة وهو يرى سقوط المعاني والقيم الإنسانية والفنية التي تسكنه، إلى أن يصمت في النهاية ويتوقف عن توصيف تجربته، إذ سلبت منه الحرب أي مساحة للتعبير.
الأدب دفاع عن حرية العقل في التفكير والتخييل والتأمل
ربما أن نزع الشرعية عن الحرب من خلال الفن والأدب والشعر لا يعني أنّ الثقافة تنجح في إحداث تغيير كبير يؤدي إلى توقف الصراعات والحروب، لكن دورها التراكمي كما يجسده الكتاب؛ هو رسالة دائماً ما تصل إلى الناس للتحذير من توقف الإنسان عن الإبداع والاستسلام للخوف في ظلّ أشكال الاستبداد المتنوعة، ومنها الكامنة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي يعتبره الكتاب أداة تتطور كل يوم وتسلب الإنسان حقّه في التفكير والتذكر وفي الكتابة التي أصبحت مهدّدة بأن تصبح مجرد محتوى يجري توليده آلياً.
ينتقد سيمون أيضاً دعاة الخلود الرقمي ممن يديرون أعمالاً في "وادي السيليكون" وغيرهم، إذ تهدف محاولاتهم برأيه إلى استبدال العقل البشري الذي يواجه خطر السرعة والدقة القادم من خوارزميات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، إذ ربما ينهي الإلهام البشري المتمثل في قدرات الإنسان على توليد الأفكار والنظر إليها بعين الشك والتنوع والاختلاف. ولهذا؛ فإنه يعود إلى الأدب مجدداً، بوصفه دفاعاً عن حرية العقل في التصوّر والتفكير. ويربط أيضاً بين فكرة تغيير عقل الإنسان تكنولوجياً، وبين التغيّر المناخي وابتعاد البشر عن الطبيعة، من خلال القول إنّ الظاهرتَين تكشفان عن حاجة البشر إلى "قصص جديدة للنجاة"، تفوق روايات الديستوبيا والحروب، وأعمال روائيين عالميين مثل تولستوي وهيمنغواي وستيفن كينغ وأمبرتو إيكو ولاسلو كراسناهوركاي وغيرهم، ممّن شاركوا بطريقة أو أُخرى في استخدام الأدب لنقل الإنسان من الاستسلام للكوارث إلى مواجهتها.
* كاتب ومترجم من الأردن
