عربي
"المرأة التي لا تُشبه اسمها" (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2026)، رواية الكاتبة الجزائرية وئام شرماطي. عنوانها ليس حاسماً، في الرواية ليست "ملك" وحدها البطلة التي لا تُشبه اسماً، هي لا تشبه أحداً، شأنها في ذلك شأن شخصيات الرواية الرئيسية. "ملك" هذه تبدأ اختلافها بأنها السابعة في العائلة، رقم شؤم للمولودين، سمّتها الممرّضات ملكاً. لم ترض بها الأمّ، وفتشت عبثاً عن عائلة تتبناها ولما لم تجد قبلت بها، لكنها مع أولادها السبعة كلّهم، هي وأبوهم ينزلون بها أقصى العقوبات.
الأبناء أيضاً يرتكبون أفدح الأخطاء عفواً أم قصداً، ملك كلّفتها الممرضة بأن تحقن أباها، ولم تكن هي ولا الممرّضة تعلمان بأن الطبيب غيّر عيار الأنسولين، فكانت النتيجة أن تُوفّي الوالد وأصرّت الأمّ على أنها فعلته قصداً. لكلٍّ غلطُه في العائلة، النزوع إلى ذلك، بأفدح الطرق، أصيلٌ فيها. "ملك" دسّت على أختها حواء الوحيدة التي تحتضنها، حين علمت بغرامها بحميد. لم تقتل الأب فحسب، بل هوايتها إحراق الحشرات بإشعال النيران فيها. هذا لا ينطبق فقط عليها، بل على الجميع تقريباً.
شخصيات الرواية لا نكاد نجد واحدة منها طبيعية. هذه رواية الشرّ التي لا نعرف كيف يحدث، كأن السماء تخترعه، كأن الحياة كلّها تسرُّه حواء الحولاء، فحين لا يحدث الشرّ يحدث القبح. تنتحر حين لا يرضى حبيبها حميد بزواجها، تكاد تكون في العائلة الشخص الطبيعي، لعل الانتحار ثمن ذلك، لكننا سنعرف في الأخير أنها لم تنتحر وإنما اغتيلت. حميد نفسه لا يلبث أن يوافي ملك في المدرسة.
تصوّر شخصيات ذات نزوع إلى الخطأ داخل عائلة مضطربة
وما إن تلتقيه حتى تسقط في هواه. وفي حين أنها كانت تنتظر عودة أختها من الموت، في استيهام روحي، تتخلّى عن هذا الحلم بل تعاودها الغيرة من أُختها الراحلة. حميد هذا سيكون بالنسبة لنا ولها شخصاً سويّاً، يرعاها ويثقّفها ويستقبلها في مكتبته التي سمّاها إبراهيم "متفرّقة"، والاسم يرجع كما يقول، إلى أول من أسس مطبعة في الديار العثمانية، بعد أن أوقف السلاطين ذلك خوفاً من تحريف القرآن. حميد مثالي ليس في سلوكه فحسب، بل في معارفه، لكنه ليس الوحيد الذي يعرف كثيراً، الروائية تُتحفنا بين حين وآخر بمعلومات وأفكار، لكن شخصية المثقف، أعني نموذجه وطبقته، لا يشغلان الرواية وليسا من موضوعاتها. حميد مثلاً واسع المعرفة، لكن هذا لن يكون صلب شخصيته.
حميد هذا لا يبادل ملك حُبّاً بل يقول لها، حين تدسّ له رسائل مستعارة بهذا الحبّ، ويقاطعها في منتصف عمليتها، أي الدورة الثالثة من سبع كانت تنويها، بأنها لا تزال صغيرة، لكنه يقبل بالزفاف حين عثر عليها معلقة في مروحة السقف، محاولة انتحار تعيد قصة أختها. ليس أكثر مثالية من ذلك، لكن حميد يجافيها بعد أن صار يضمّهما بيت واحد. ولكي يتصل سياق الرواية تلد له طفلة، تركب وحمةٌ نصف وجهها، لا نستبعد هذه الواقعة في رواية يكاد الشرّ والقبح يطغيان عليها. هذه الطفلة تشغف أباها رغم عاهتها. فيما يؤرّق الأمّ مصيرها بهذه السحنة، لذا تقرّر، ليس بدون حجة، أن تقتلها لتنقذها من مصير أسود، وبالفعل تقتلها ويشتبه الأب بذلك فيطلّقها وهي لا تزال متعلّقة به.
أسئلة وجودية عن حدود الشرّ وتبرير القسوة باسم الرحمة
الحبّ لا يمنعها من أن تصبح قاتلة عن قناعة وإيمان. بعد أن تطلّقت التحقت بمدرسة تمريض، وصارت تعمل في مستشفى لم تلبث أن ثارت فيه قضية الرضّع الموتى بكثرة. المحقّق "طاهر" يعرض عليها الزواج لكنها، تحت إلحاحه تقبل بالخطبة، وتبدأ بعد ذلك بالمماطلة. لا نعرف سرّ ذلك إلا أن ملكاً، القاتلة بالولادة، لا تريد أن تخدع أحداً. القتل بالنسبة لها وسيلة للإنقاذ، إنه عقيدة وإيمان وقلق ضمير. لقد قتلت هؤلاء الرضّع لسبب واحد، هو إنقاذهم من المجتمع الذي سيعذّبهم بسبب إعاقاتهم.
الكاتبة تُبقينا في الحيرة، القتل عند ملك مبدأٌ أكثر منه جريمة. إنها تقتل رُضّعاً لتلافي مستقبلهم الأسود. أما المجرم الحقيقي فسنلتقيه في المقبرة. حين اشتدّت عليها رسائل الاتهام، التي تفصل جرائمها واحدة واحدة، بضحاياها ووسائلها. في المقبرة ستلتقي بحميد الذي تقصّدها. في المقبرة صرّح لها حميد بأنه من صمّم أن يجعل منها قاتلة. أنه حين ألحّت عليه حوّاء بالزواج علّقها بنفسه في السقف، وترك للآخرين الشك في انتحارها. إنه تعمّد التقرب منها ليجعل منها قاتلة، وتزوجها في السياق نفسه. تعهّد تدريبها، لكن أعاق خطّته أصدقاء جُدد لها، هم فريدة المنمّشة ووالداها نجاة وجمال، فأعدّ خطة لقتلهم، لعب بدواليب سياراتهم، ومهّد لموتهم في حادث سير. حين وجد أنها تعتدي على أقاربه ورمت ابنتها من الشرفة، طلّقها.
رواية وئام شرماطي غريبة، لا نقول هذا انتقاصاً منها. إنها رواية تعالج بسهولة مفرطة أحياناً مسألة الخير والشر، ومعها، ولو بدرجة أقل مسألة الحبّ. الشرّ سيّد العالم، هذا ما نصل إليه في النهاية. لا نستنتجه من ملك التي ظلّت مزدوجة، وظلّت جريمتها مُحيّرة، فهي لم تقتل أحداً إلا لإيمانها أنها بذلك تخدمه وتنقذه. جرائمها في ذلك عقائدية، وربما تشبه جرائم الأنظمة التوتاليتارية. مع ذلك أنْ تسود الجريمة قانوناً، وأن تبدو مشروعة، أمرٌ يعني سقوط القانون بالكامل وسيادة الطغيان، ولو وجد صاحبه له تبريراً عقائدياً. ملك وحميد قاتلان، لكنهما مع ذلك متواجهان، الأول مجرم بالسليقة والثانية مجرمة بالإيمان مثل الأنظمة العقائدية. قد نفكر أحياناً في الماركيز دوساد، لكن جرائم الاثنين معاً لا تعني سوى سيادة الجريمة، أياً كان نوعها. الرواية بذلك تطرح أسئلة قد لا تجوز إلا للروائيين.
* شاعر وروائي من لبنان
