عربي
أعربت الحكومة الألمانية، يوم الثلاثاء الماضي، عن أسفها لإقرار الكنيست الإسرائيلي القانون الذي تقدّم به وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، لإعادة العمل بقانون الإعدام الذي كان معلَّقاً منذ عام 1954، ويجيز عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين. "القلق البالغ" لبرلين، قوبل بانتقادات حادّة لدى بعض الأطراف في ألمانيا، ودعوات لإعادة النظر في العلاقات الثنائية مع إسرائيل، لا سيما أن قانون إعدام الأسرى لا يجلب إلا مزيداً من الموت والعنف والتمييز والعزلة، بحسب رأيهم.
قانون إعدام الأسرى بميزان المعارضة
ولم تستسغ أحزاب المعارضة الألمانية موقف الحكومة الاتحادية من إقرار قانون إعدام الأسرى في الكنسيت. وقال الرئيس المشارك لحزب اليسار، يان فان آكن، إنه "حتى لو كانت هناك جرائم بشعة، فلا تبرير لقتل إنسان آخر"، مضيفاً أن "ارتداء المتطرفين اليمينيين في الكنيست رموز المشانق كدبابيس على ستراتهم دليل على الوحشية الشديدة التي تسيطر على السياسة الإسرائيلية". من جهتها، دعت زعيمة حزب الخضر، فرانسيسكا برانتنر، إلى فرض عقوبات محدّدة الأهداف على بن غفير ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، لكونهما بسياستهما يساهمان في انتهاكات حقوق الإنسان، محذّرةً من تداعيات قانون الإعدام، ومن أن الخطوة "ستُعزّز الصراع والضغينة في قلوب الناس وعقولهم". كذلك برزت مطالبات لسياسيين، وفق موقع بيك أكتويل، حثّت الحكومة الألمانية على اتخاذ خطوات حاسمة ضد إسرائيل، بينها إنهاء اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
دعت زعيمة حزب الخضر فرانسيسكا برانتنر، إلى فرض عقوبات محدّدة الأهداف على بن غفير وسموتريتش
في المقابل، رأت الكاتبة السياسية باولين جاكيلز، الثلاثاء الماضي، أن النأي الحقيقي عن إسرائيل ليس في مصلحة ألمانيا التي همّها تعويض تراجع نموها الاقتصادي من خلال توريد الأسلحة لإسرائيل، وبأن تصنع شركات مثل فولكسفاغن قطع غيار لنظام القبة الحديدية الإسرائيلي، فضلاً عن أن برلين تستورد معدات إعادة التسلح من إسرائيل، معتبرةً أنّ "المطالبات صحيحة من حيث المبدأ، لكنها عبثية". أما رئيسة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، بيترا باير، فحذّرت دولة الاحتلال من أن قرار إقرار قانون إعدام الأسرى يعرّض وضعها بصفة مراقب في الجمعية البرلمانية لحقوق الإنسان للخطر بشكل كبير، مذكّرةً بأنها تتمتّع بهذه الصفة منذ عام 1957، ومشيرةً، وفق ما نقلت عنها صحيفة كولنرشتات تسايتونغ، الثلاثاء الماضي، إلى أن الأعضاء سيناقشون القانون الجديد، وأن إسرائيل تنأى بنفسها عن قيم أوروبا التي تتعارض بشدّة مع عقوبة الإعدام. وسلّطت الضوء على الآثار المحتملة في عمليات تسليم المطلوبين.
وكان المتحدث باسم الحكومة ستيفان كورنيليوس قد أعلن أنه من المفهوم أن إسرائيل اتخذت موقفاً متشدداً تجاه ما حصل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومع ذلك فإن الحكومة الألمانية تنظر إلى إقرار قانون إعدام الأسرى بـ"قلق بالغ"، مشدداً على أن رفض عقوبة الإعدام سمة أساسية من سمات السياسة الألمانية، وهناك خشية من أن يُطبّق هذا القانون على الأرجح حصرياً على الفلسطينيين.
موقف غير مفاجئ
وتعليقاً على ذلك، قال الدكتور في علم الاجتماع السياسي فضل الله العميري، الذي ألّف كتاب "الحياة السياسية الألمانية منذ ثمانينيات القرن الماضي"، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ردّ فعل الحكومة الألمانية؛ الحليف التاريخي لإسرائيل، لم يُثر استغرابه ولم يفاجئه ببيانها الفاتر، مضيفاً أنه لا يتوقع "أي التزام أخلاقي من برلين التي تعتمد سياسةً عمياء مؤيدة لتل أبيب، وغضّت النظر عن المجازر الجماعية لحلفائها على مر المراحل الماضية". ولفت إلى أن "إسرائيل أعدمت عشرات الآلاف من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة بالقصف، بدلاً من الشنق ومن دون أي محاكمة".
فضل الله العميري: لا أتوقع أي التزام أخلاقي من برلين التي تعتمد سياسةً عمياء مؤيدة لتل أبيب
من جهة ثانية، اعتبر العميري أن القانون يستهدف فئةً بعينها ويستثني أخرى، وهو يُعدّ سابقة حتى بين الدول التي تطبّق عقوبة الإعدام، ويرسّخ ما كان أساساً عمل الحكومة الاسرائيلية منذ زمن طويل، وفيه أن حياة الفلسطينيين لا تستحقّ الحماية، بالتالي هم أقل قيمة من حياة اليهود. وأشار إلى أن "عقوبة الإعدام تمثل استمراراً متطرفاً لسياسة الترهيب والانتقام التي ترعاها إسرائيل ضد الأسرى الفلسطينيين، والسلطات الإسرائيلية تحرمهم من أبسط ضمانات سيادة القانون، فالقضاة ينتمون إلى سلطة الاحتلال والاعترافات تُنتزع تحت التعذيب، والترجمات العربية غالباً ما تكون غير كافية". وتوقّع أن يزيد القانون من دوافع احتجاز الرهائن وغيره من أشكال العنف، مضيفاً أن تنفيذ أحكام إعدام بحق الفلسطينيين سيسمح لإسرائيل بإخفاء أي إجراءات تضمن لهم محاكمة عادلة، لأن الإدانة لا تعني دائماً ارتكاب الجرم. ولفتت صحيفة دي تسايت الألمانية إلى أن من فقدوا أفراداً من عائلاتهم في 7 أكتوبر، يعارضون هذا القانون، ويرون أن هذا القانون لن يُحقّق الأمن، بل سيزيد من خطر التصعيد.
توماس برغمان: الموقف الألماني لن يتبدل، إلا إذا سعت برلين لتحقيق أهداف مختلفة
وفي هذا الصدد، اعتبر الباحث السياسي توماس برغمان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية تهدف إلى تطبيق أكبر قدر من الإجراءات القمعية بحق الفلسطينيين، لافتاً إلى أنه لا يوجد قانون في أي نظام قانوني ديمقراطي يسمّى بعقوبة الإعدام الإلزامية، ويجب أن يكون هناك دائماً مجال لتقدير المحكمة أو النيابة العامة عند طلب الحكم. ولذا، فإن القانون برأيه يندرج ضمن الأمور التي عادة ما تُبطلها المحاكم حتى في الديمقراطيات التي ما زالت تطبّق عقوبة الإعدام، بينها الولايات المتحدة. واعتبر أن الموقف الألماني لن يتبدل، إلا إذا سعت برلين لتحقيق أهداف مختلفة.
وتماشياً مع ذلك، اعتبرت المحامية ساري باشي، في مقابلة مع "دي تسايت" الاثنين الماضي، أن الأمر لا يتعلق "بالردع بل بالانتقام"، والفلسطيني سيكون أمام المزيد من التمييز العنصري، وفي حين يخضع اليهود للقانون المدني الإسرائيلي، سيخضع الفلسطيني للقانون العسكري، وقد يواجه الفلسطينيون المدانون بالقتل في الضفة الغربية عقوبة الإعدام من دون استثناء تقريباً.
وكان السفير الفلسطيني في ألمانيا ليث عرفة قد دعا حكومة المستشار فريدريش ميرز والبرلمان (بوندستاغ) إلى اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة ردّاً على إقرار الكنيست قانون إعدام الأسرى، محذراً من عواقب الصمت والتقاعس، ومحمّلاً البرلمان الألماني مسؤولية خاصة للتحرّك بحزم نحو إلغاء هذا القانون، لا سيما في ضوء الزيارات الأخيرة التي قامت بها قيادته إلى الكنسيت في أثناء العمل على إقرار قانون الإعدام. وأشار إلى أنه ينبغي على البوندستاغ أن يبدأ بتسمية الوضع في فلسطين المحتلة باسمه الحقيقي: الفصل العنصري، وأن يسمي الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني باسمها: التطهير العرقي.
