الخطاب الحوثي المضلل وتأثيره على النسيج الاجتماعي
حزبي
منذ 4 أيام
مشاركة

​بقلم الشيخ/ عبدالله النهيدي


​الصراخ والتصارخ مفردات ارتبطت في القرآن الكريم بالمعاني السلبية، وهي موحية بالعذاب، وطلب النجدة، والانقطاع، والارتباك؛ قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}. وهو خطاب إبليس لأتباعه: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}. على أن رفع الأصوات مما يُذمُّ ولا يُمدح: {إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، فلم تأتِ إلا في سياق الذم، وتحكي حالة المعذبين والمتمردين الذين يصرخون بلا هدف، ويستغيثون ولا مجيب: {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ}.
​وهذا “الشعار” الذي أصبح أيقونة للتجاوز القيمي والقانوني والعقلي، جعله الحوثيون مادة اصطفاف لهم، يختزلون به كل شيء في شعار أجوف فارغ من كل مضمون، لكنه يُستخدم كمادة تحشيد وتعبئة؛ يتجاهل كل ما يحتاجه الإنسان من معرفة وتنمية وحقوق، ويحيله إلى صراخ يُردد بصيغة جماعية تلغي العقل والمنطق، وتُغيّب إنسانية الإنسان، فيصبح مادة استهلاك لمشروع لا يحمل رؤية ولا برنامجاً ولا مستقبلاً؛ بمعنى: لا قيمة له، ولا خدمات، ولا حتى إنسانية.
​ومن هنا كانت دلالات الشعار فضفاضة “شعار للشعار”، وهلامية لا توحي بأي رؤية. شعار تتمحور حوله مجموعة غوغائية، ترى في ترديده أنها قد قدمت كل شيء، بينما هي في الحقيقة لم تقدم شيئاً. ولذلك قال أحد قادتهم على فضائية عالمية: “هو مجرد شعار ليس له أي حقيقة”، ويقول السفير الأمريكي الأسبق: “الشعار لا يزعجنا، نحن نتعامل مع أفعال لا مع أقوال”. ومن مفردات الشعار يوهمون أتباعهم بالامتلاء الشعوري، ويرون في ترديده كسراً للعدو، وعلى حد قولهم “قوى الاستكبار العالمي”، لكن الشعار حتى الآن لم يقتل أحداً من المستهدفين به، وإنما ضحاياه هم أبناء اليمن ورجاله، الذين حصدت آلة الشعار مئات الآلاف منهم.
​والشعارات الهلامية فيها إراحة للعقل من التفكير: عدو مطلق، ترديد مستمر، وملهاة يومية؛ في المسجد والجامعة والسوق والقاعة والمحفل… بينما قادة الجماعة يتمتعون مع القوى الموجه لها الشعار في كل دهاليز وأقبية السياسة العالمية، ولا يتحرجون من السفر عبر مطارات العالم والالتقاء بهم، يقدمون لهم خدمات البقاء في حربهم على الإسلام والمسلمين مقابل “البقاء”. ويظل الضحايا يقدمون الصراخ اليومي مرددين شعاراً لا حقيقة واقعية له.
​إن وقائع “التخادم” بين أهل الشعار والمستهدفين منه مستمرة بشكل يومي، والوقود الحقيقي لهذا الشعار هم أبناء اليمن؛ سواءً من المعادين للشعار كضحايا قتل وتهجير وتشريد وتفجير —وهناك إحصائيات مرعبة لضحايا الحرب منذ اندلاعها عام 2004م، سواء الحروب الست مع الدولة، أو تداعيات الانقلاب في عام 2014م— أو حتى الموالين للشعار الذين أصبحوا وقوداً يومياً له، يُزج بهم في معارك طاحنة ليعودوا “ملصقات ولافتات”، أو يُتخلص منهم بعد استنفاد مصلحة قادة الميليشيات منهم. ولذلك دائماً ما أطالب بإنقاذ الموالين المستغفلين المستغلين، كضحايا يقدمون قرابين للشعار، لينعم “مهندس الشعار” بكل الامتيازات وهم من يدفع الثمن.
​أغلب من والى وردد معهم الشعار، كانت تضحيته أضعاف أضعاف ممن اتخذ منه موقفاً ووقف بقلمه أو بسلاحه محذراً منه. وقود معارك الشعار لا تنتهي عند حد، وضرب اليمنيين بعضهم ببعض مستمر حتى يفنى اليمنيون جميعاً ويصفو لهم الجو خالياً.
​مع الشعار لا توجد مساحة نقاش؛ لأن الهوة واسعة والمسافة كبيرة، وغير منطقي أن يقف معك على طاولة نقاش من يردد صباحاً ومساءً شعاراً كهذا وأنت الضحية الوحيدة له. ولأن مساحة إعمال العقل منعدمة كلياً، يستحيل أن توجد أي أرضية نقاش موحدة مع من يفجر داراً للقرآن الكريم ثم يصرخ “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، أو يقتل مسناً صائماً قائماً بين أطفاله وفي محرابه ويسيل دمه على مصحفه ثم يصرخ “الموت لأمريكا”. يكاد المرء يصاب بالذهول من هذا، ويصعب تصديقه لمن لم يشاهد وقائعه، وأفكر أحياناً: هل ستصدق الأجيال القادمة مثل هذا أم يتهموننا بالكذب أو الجنون؟ لكن كل ذلك كان موثقاً بالصوت والصورة.
​أحياناً أقرأ في كتب التاريخ التي رصدت جرائم “الرسّيين” في حق أهل اليمن بفتاوى عنصرية بغيضة، ثم أقول: لولا أننا شاهدنا اليوم نسخة مطورة من هذه الجرائم ووثقت لما صدقنا تلك الأحداث، ولعل في زمن “لا صورة” الماضي كانت هناك جرائم أشد وأنكى غابت بغياب التوثيق، ولم يبقَ لنا من جرائمهم سوى ما نقلوه هم متفاخرين به، مستطيلين به علينا بقول إمامهم: “إن الله محاسبني على ما أبقيتُ في أيديهم، لا على ما أخذتُ منهم”.
​إن قوة تكرار الشعار في المحافل العامة، المدارس، الجامعات، والمساجد، واستغلال كل نقطة تجمع ولو كان حفلاً عائلياً لترديده، يجعله مألوفاً بحيث يصبح المنكر له هو الشاذ، والترديد هو القاعدة؛ حتى أصبح مجرد انتقاد الشعار تهمة تؤدي للقتل أو السجن أو التشريد، ونهب أموال اليمنيين ومصادرة حقوقهم بتهمة “معاداة الشعار”.
​والغريب أن الشعار أصبح هدفاً في حد ذاته؛ فيجتمعون لترديده، ويرددونه ليجتمعوا، وتختفي أي برامج من أي فعالية سوى الشعار، حتى أصبح مجرد ترديده إنجازاً يضاهي بناء مدرسة أو شق طريق، وخلال أكثر من عشر سنوات غابت كل مشاريع التنمية إلا “الشعار”.
​الإلزام القسري لحضور حفلات الشعار وترديده أصبح مؤشر ولاء؛ فالشخصيات العامة، رجال الدولة، أساتذة الجامعات، ورموز المجتمع يساقون في مشاهد مزرية خلف صبيان بحركات غوغائية لترديد الشعار. ومن لم يحضر طوعاً يُساق قسراً، حتى أصبحت بعض المظاهر مادة للسخرية والتندر، حيث يُرى أستاذ دكتور أو شيخ قبلي أو تاجر يساقون مشياً على قناعاتهم وعقولهم في مناظر مخزية. وارتبطت الحقوق بمدى الالتزام بمراسم الحضور؛ فالراتب —إن وُجد— مرتبط بها، والخدمات تُقدم أولاً للمشاركين، والوظيفة تُرهن بمدى الحماس في الترديد، حتى أصبح اليمني الذي يعيش تحت سلطة الميليشيات فاقداً لكل معاني الإنسانية والحرية، إلا ما يمنحه له “المشرف” من صكوك الولاء المبنية على الموقف من الشعار.
​هذه المناظر المزرية لقامات أكاديمية أو سياسية كانت تملأ الساحة حضوراً ثم أصبحت تُقاد في حالة اغتيال نفسي، أدت إلى مغادرة أكفأ رجال اليمن؛ غادر المثقف والشيخ والسياسي والتاجر، وأصبح الوضع مريعاً خالياً إلا من الشعار والمقتاتين عليه.
​صبغ الحياة كلها بهذا الشعار يعيد هندسة المجتمع اليمني وصهره في قوالب فكرية دخيلة، واستيراد مفاهيم غريبة لا تراعي الاختلاف المجتمعي مناطقياً ولا مذهبياً، وإرغام الناس على التخلي عن قناعاتهم وموروثاتهم الدينية والاجتماعية وعادات آبائهم وأجدادهم، وكأن اليمن لا يوجد فيه سوى من يرددون هذا الشعار المشؤوم.
​التكرار المستمر يرسخ الشعار في الذهنية البسيطة؛ فعندما يولد الطفل وهو يسمعه في كل مناسبة ويقرأه في كل مكان، يتولد لديه شعور بأن هذا هو الأصل، فيألفه كواقع يشب عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، حتى لربما جاء زمن عُدَّ المخالف له شاذّاً، ما لم يتدارك اليمنيون خطورة الأمر لإنهاء أوزار الانقلاب ومنها هذه “الصرخة”. كثرة الترداد تولد ضغوطاً نفسية لدى المخالف قد تؤدي لانهياره في لحظة فارقة، خاصة في ظل حملات القمع والإرهاب الحوثي التي لا تتورع عن استخدام وسائل الاغتيال النفسي والاتهامات الباطلة وصولاً إلى التصفية الجسدية.
​غالباً ما تكون الأنظمة التي ترفع شعارات كبيرة غير قابلة للتطبيق على حساب مصالح الناس الخدمية؛ فالأنظمة القمعية (الشيوعية والقومية مثلاً) كانت شعاراتها براقة لكنها أورثت دماراً مجتمعياً وحولت دولاً إلى سجون كبيرة، وقولبت الإنسان كسلعة تشكلها أمزجة الحكام. وهو ما نراه اليوم في “تجار الشعار”، حيث حل الصراخ بدلاً من الخدمات، وسيطرت عقلية الصوت العالي على العقل المنتج. غاب التعليم والصحة والتنمية، وغاب الإنسان كلياً عن المشهد، فأصبحت مناطق سيطرة الميليشيات عبارة عن سجن كبير بلا تنوع ثقافي ولا تقدم اقتصادي، وكل يوم يتراجع اليمن سنيناً إلى الوراء.. وإلى الله المشتكى.

http://الخطاب الحوثي المضلل وتأثيره على النسيج الاجتماعي

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية