Arab
تعاني سورية وضعاً اقتصادياً صعباً. فبعد عام ونصف العام على إسقاط نظام بشّار الأسد، لم تتمكّن السلطة الجديدة من تخفيف معاناة الأغلبية، وإيجاد حلول للمشكلات المعاشية الملحّة وللخدمات الأساسية. وكان الرهان كبيراً على مساعدات عربية ودولية فورية، ولكنّها لم تصل بعد. وطال انتظار الفئات المتضرّرة من الارتفاع المستمرّ للفواتير، وجديدها أخيراً أسعار الكهرباء والمحروقات.
بات الإنجاز السياسي وحالة الاستقرار النسبي مهدّدين، بسبب التدهور المتواصل للأوضاع الاقتصادية، وعدم بروز مؤشّرات على حلول قريبة. وليس مبالغةً القول إنّ الآمال بالتغيير بدأت تتراجع، وتشعر قطاعات سورية بإحباط، وقد كان الانطباع الواسع الذي تشكّل أنّ رفع العقوبات سيأتي سريعاً بنتائج إيجابية، وستتدفّق مساعدات عربية ودولية، وأنّ إخراج إيران، وتقليص الدور الروسي، سيؤدّيان تلقائياً إلى انفتاح اقتصادي، واستثمارات، وإعادة إعمار أولية، لكنّ ما حدث كان أبطأ بكثير من التوقّعات.
شجّعت بلدان الخليج العربي وأوروبا وأميركا التحوّل السياسي، لكنّها لم تترجم هذا إلى خطّة إنقاذ اقتصادي فعلية، وتركوا السلطة الجديدة تواجه إرثاً اقتصادياً منهاراً، ومطالب شعبية متنامية، لأنّ معظم السوريين يرزحون تحت خطّ الفقر، ويفتقرون إلى الخدمات الأساسية من صحّة وتعليم، بالإضافة إلى آثار الصدمات الإقليمية، مثل الحرب على إيران، والاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة. وإلى هذا، من الصعب أن تستمرّ الشرعية السياسية التي حظيت بها السلطات السورية الجديدة من دون تقديم حلول عاجلة للأزمات الاقتصادية، وحتّى التقدم الأمني الذي تحقق بسرعة بات مهدّداً.
تبدو الوعود التي قطعتها الوفود العربية والأجنبية التي زارت دمشق، وخلال جولات المسؤولين السوريين في العواصم العربية والأجنبية من الرياض والدوحة وأبوظبي وواشنطن وموسكو وباريس وبرلين ولندن، بلا نتيجة ملموسة بعد. وإن دلّ هذا على شيء، فإنّما يعبّر عن وجود فجوة تتمثّل في الجانب العربي باشتراط تحقيق الاستقرار قبل الاستثمار. أمّا بخصوص أوروبا والولايات المتحدة، فهما تتصرّفان بحذر شديد، ولديهما مخاوف من ضخّ الأموال في بيئة هشّة سياسياً، وتربطان الانفتاح الاقتصادي بالإصلاح السياسي، وبناء المؤسّسات والحوكمة.
لا تلامس المقاربتان العربية والدولية واقع الحال السوري؛ فإن لم تأتِ الاستثمارات، لن يتحقّق الاستقرار، ولن تتوافر بيئة ملائمة لعودة ملايين المهجّرين، بل على العكس. والبديل العمل مع السلطات الجديدة في شراكات تدريجية، تقوم على بناء أرضية إدارية اقتصادية واضحة، وعلى أساس رؤية تنموية واضحة، وإدارة فعّالة، وشفافية كافية، تُشعر المستثمِر المحلّي (والأجنبي) بالأمان والثقة والحماية القانونية من الفساد والفوضى والمحسوبية. ولا يمكن لأيّ دعم خارجي أن ينجح من دون مؤسّسات مستقرّة، وإدارة اقتصادية مُقنِعة، وإنتاج ثقة داخلية قبل الثقة الخارجية، وما هو واضح أنّ الأطراف المهتمّة بسورية لم تصل إلى هذه القناعة.
في النهاية، الخطر الحقيقي اليوم ليس اقتصادياً فقط، بل سياسي أيضاً، كما أنّ الفجوة بين الآمال الكبيرة والنتائج المحدودة مرشّحة لأن تتحوّل إلى مصدر إحباط واسع، يهدّد المرحلة الانتقالية، التي يتطلّب نجاحها ترجمة المقولة التي ردّدها الرئيس السوري أحمد الشرع بأنّ سورية لم تعد ساحة صراعات، وهذا يتجاوز مسألة إسقاط نظام الأسد إلى بناء دولة جديدة من خلال تحقيق توازن شديد بين الداخل والخارج، وتفاهمات تقوم على أساس أنّ استقرار سورية مصلحة إقليمية ودولية. وإلى أن يتم العمل في هذا، فإنّ السلطات السورية أمام سلسلة من الاختبارات المتواصلة لبناء الثقة الداخلية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلّا بتهدئة المخاوف الاجتماعية والسياسية، وتوسيع المشاركة السياسية، وإطلاق حياة عامّة حقيقية عبر برلمان وإعلام ومجتمع مدني. يريد الناس أن يشعروا بأنّ الدولة عادت ملكاً للمجتمع، لا جهازاً فوقه.

Related News
سحب القوات الأميركية من ألمانيا والأمن الأوروبي
alaraby ALjadeed
21 minutes ago
نافذة مفاوضات قبل «نفاد صبر» ترمب
aawsat
1 hour ago
أجسام مجهولة تراقبنا
alaraby ALjadeed
1 hour ago