Arab
حين تحلّ ذكرى النكبة في كل عام، لا تبدو فلسطين بكل تفاصيلها اليومية ومفاصلها التاريخية مجرد ذكرى تُستعاد. هي حياة أجيال وصيرورة شعب وأرض، والأهم أنها حلم مستمر في واقع تملؤه الكوابيس. 78 عاماً ليست رقماً في كتاب تاريخ، بل هي أعمار بشر، وحيوات مؤجلة، وذاكرة لا تنام.
أمي عاشت 57 عاماً في اللجوء، وأنا أمضيتُ 39 عاماً أحمل صفة "لاجئة"، أما ابنتي الصغيرة، فلم تُكمل عامها التاسع إلا وقد ورثت المخيم، والقلق، والأسئلة ذاتها. جدتي، من جهتها، حملت عبء الشتات 81 عاماً، ورحلت وهي تعتقد أن الطريق إلى فلسطين أقصر من هذا العالم.
لكن الطريق طال، حتى بات الفلسطيني يولد وكأنه يقف في طابور انتظار أبدي؛ لا يصل إلى عودة، ولا إلى استقرار، ولا حتى إلى النسيان.
في غزة، لم يعد العمر يُقاس بالسنوات. هناك يُقاس بعدد الناجين من العائلة، بعدد الأسماء التي بقيت في السجلات، أو التي مُحيت بالكامل. عائلات أُبيدت عن بكرة أبيها؛ لا بيت بقي، ولا صورة، ولا طفل يحمل الاسم إلى الجيل التالي. هناك، لا تبكي الأمهات أبناءهن فقط، بل يبكين انقطاع السلالة، وكأن القتل لا يستهدف الإنسان وحده، بل الحكاية أيضاً.
وسط هذا الخراب، تعود كلمات الشهيد الشيخ أحمد ياسين كأنها نبوءة معلَّقة فوق الحلم المُتعَب، حين تحدث عن زوال إسرائيل عام 2027. عام واحد يفصلنا عن ذلك التاريخ الذي يبدو أحياناً قريباً كالحلم، وبعيداً كالمعجزة. لكن ماذا يملك أبناء المخيمات سوى التعلق بالمستحيل؟ نحن الذين تربينا على أن الأمل هو وسيلة نجاة.
المفارقة أن إسرائيل تكبر وتتمدد وتزداد قوةً، بينما نحن ننتظر سقوطها منذ عقود. هم يبنون المزيد من المستوطنات، ونحن نبني المزيد من الروايات عن العودة. هم يصنعون واقعاً من الحديد والنار، ونحن نصنع وطناً بالكلمات والصور والحنين. ورغم ذلك، لا نتوقف عن الحلم. ربما لأن الفلسطيني، إن توقف عن الحلم، يموت فوراً.
أحياناً، أتخيل حياةً أخرى؛ حياة لم تكن فيها إسرائيل أصلاً. ماذا لو لم يُهجَّر أبي؟ ماذا لو أحبّ امرأةً ليست لاجئةً مثله؟ ماذا لو وُلدتُ في مدينة حقيقية، لا في مخيم؟ كيف كانت ستتشكّل ملامحي النفسية؟ وكيف كانت ستبدو طفولتي بعيداً عن أخبار المجازر والحروب ووجوه الشهداء؟
أتخيل نفسي أسيرُ في القدس، لا غريبة، بل ابنة المكان. أتساءل: هل كنتُ سأدرس في جامعة هناك؟ أم في رام الله؟ أم ربما في غزة، المدينة التي لم أعرفها إلا عبر الموت؟ وماذا كنتُ سأدرس؟ هل كنتُ سأختار الصحافة أيضاً، أم كنتُ سأعيش حياةً عادية، لا تقوم على مطاردة الأخبار الثقيلة والجثث والخذلان؟
أتذكر جدتي، من جهة أبي، حين كانت تردد دائماً: "أنتِ بنت مدينة… يجب أن تتزوجي ابن مدينة". أبتسم بحزن. حتى الحب، عند الفلسطيني، يصبح حلماً معقداً؛ ابن مدينة، ابن قرية، ابن 48، لاجئ، غير لاجئ، مخيم، شتات، جواز سفر، هوية مؤقتة، رقم وطني، تصريح مرور. لم يقتصر الاحتلال على الأرض، بل امتد ليعيد تشكيل أدق تفاصيل حياتنا، حتى اختيارات القلب.
ربما هذه هي معجزة الفلسطيني الوحيدة: أنه بالرغم من كل ما فعلته إسرائيل، لم تستطع أن تحتل خيالنا
أتساءل أحياناً: هل كانت مشكلاتي ستبدو عظيمةً لو أحببتُ فلاحاً مكافحاً؟ هل كانت تلك ستصبح مأساتي الكبرى، بدلاً من أسئلة الهوية والمنفى والاقتلاع؟ هل كان جيراني سيكونون من طائفة واحدة؟ وهل كانت ابنتي ستعيش طفولةً طبيعية، بدل أن تدفع ثمن كون أمها لاجئة؟
حتى أطفالنا يرثون التعب قبل أن يرثوا أسماءنا. ابنتي لم ترَ فلسطين، لكنها تعرف معنى الحاجز والخوف واللجوء. تعرف أن هناك شعوباً تولد وفي يدها مفاتيح البيوت، بينما نولد نحن وفي أيدينا مفاتيح الغياب.
78 عاماً، وما زلنا عالقين. لا نحن عُدنا، ولا نحن انتهينا. كأن الفلسطيني محكوم بأن يعيش داخل دائرة مغلقة من الأمل والألم؛ من الدم والماء، من الروايات والمظالم، من حياة تتكرر حتى الإنهاك.
ومع ذلك، في مكان ما داخل هذا الركام، لا يزال طفل يرسم علم فلسطين على دفتره المدرسي، ولا تزال أم تحتفظ بمفتاح بيت هُدم قبل ولادتها بعقود، ولا يزال شيخ يوصي أبناءه: "إذا متُّ… فادفنوني في فلسطين".
ربما هذه هي معجزة الفلسطيني الوحيدة: أنه بالرغم من كل ما فعلته إسرائيل، لم تستطع أن تحتل خيالنا. لم تستطع أن تجعلنا نتوقف عن تخيّل الحياة الأخرى التي سُرقت منا. حياة بلا مخيمات، بلا حروب، بلا نشرات عاجلة، بلا قوائم شهداء.
حياة عادية فقط. وهذا، عند الفلسطيني، كان دائماً أكبر الأحلام وأثمنها وأخطرها، وربما هو الحلم القريب من المستحيل، البعيد عن الخيال.
Related News
كأس إنجلترا تداعب تشيلسي ومانشستر سيتي
aawsat
13 minutes ago