أميركا وأوروبا: تصدّع الغرب وإعادة الحسابات
Arab
1 hour ago
share
لم يعد التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وأوروبا مجرد خلافات عابرة داخل المعسكر الغربي، بل بات يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة النظام الدولي نفسه، فالعالم الذي تشكّل بعد الحرب الباردة على أساس القيادة الأميركية المطلقة للغرب يمر اليوم بحالة إعادة تموضع تاريخية، تتداخل فيها أزمات الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والحروب الإقليمية، لتكشف تدريجياً عن تصدّع متزايد داخل التحالف الغربي التقليدي. فمن الحرب الروسية الأوكرانية إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، مروراً بالحرب مع إيران وأزمة مضيق هرمز، ووصولاً إلى ملفات غرينلاند وكندا والجمارك والانسحاب التدريجي من الالتزامات الأطلسية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تُعيد صياغة علاقتها بالعالم وفق منطق أُحادي أكثر خشونة، يقوم على المصالح الأميركية المباشرة لا على مفهوم التحالف الغربي العام. وفي المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام معضلة تاريخية: فهي عاجزة عن الانفصال الكامل عن المظلة الأميركية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن واشنطن لم تعد ترى في الحلفاء الأوروبيين شركاءَ متساوين، بل أطرافاً تابعة ضمن مشروع إعادة ترتيب النفوذ العالمي! لقد شكّلت الحرب في أوكرانيا نقطة الانكشاف الكبرى لهذا التصدع؛ فأوروبا دخلت المواجهة مع روسيا انطلاقاً من فرضية استراتيجية تقوم على إمكانية إنهاك موسكو اقتصادياً وسياسياً خلال فترة قصيرة عبر العقوبات والحصار المالي والتجاري، غير أن النتيجة جاءت مختلفة؛ إذ لم تنهَر روسيا، بل استطاعت التكيّف مع العقوبات، بينما تلقّت الاقتصادات الأوروبية ضربات قاسية، خاصة في قطاعَي الطاقة والتضخم، في حين استفادت الصين من إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة والنظام المالي الدولي. ولم يقتصر الخلاف الأميركي الأوروبي على إدارة الحرب الأوكرانية، بل امتد إلى جوهر الرؤية الاستراتيجية للعالم، فإدارة ترامب دفعت بقوة نحو إعادة تعريف التحالفات التقليدية، ومن هنا جاءت التصريحات المتكررة حول تقليص الالتزام بحلف شمال الأطلسي، والضغط المالي على أوروبا، وصولاً إلى قرار سحب جزء من القوات الأميركية من ألمانيا الذي اعتبرته العواصم الأوروبية مؤشراً خطيراً على بداية مشروع أميركي للانسحاب التدريجي من الحلف الأطلسي أو إعادة تشكيله وفق شروط أميركية جديدة! لقد فهمت أوروبا أن واشنطن لم تعد تنظر إلى "ناتو" باعتباره تحالفاً أمنياً متكافئاً، بل باعتباره أداةً لخدمة الأولويات الأميركية في مواجهة الصين وروسيا، مع تحميل الأوروبيين الجزءَ الأكبر من الأعباء الاقتصادية والعسكرية؛ وهذا ما يفسر تصاعد الخطاب الأوروبي الداعي إلى "الاستقلال الاستراتيجي"، رغم أن أوروبا لا تزال عاجزة عملياً عن تحقيقه بسبب الانقسامات الداخلية واعتمادها العسكري والأمني على الولايات المتحدة. غير أن التصدّع الأكبر ظهر بوضوح في الشرق الأوسط، حيث أخذت واشنطن تدير الملفات الإقليمية بمنطق التفرد الكامل، فالحرب الإسرائيلية على غزة كشفت حدود الدور الأوروبي وعجزه عن التأثير، بعدما همّشت الولايات المتحدة القوى الأوروبية والعربية لصالح تنفيذ أجندة إسرائيلية تقوم على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية. لقد تراجع الحضور الأوروبي في القضية الفلسطينية وسورية ولبنان بصورة غير مسبوقة، ليس فقط بسبب الانقسام الداخلي الأوروبي، بل أيضاً لأن واشنطن باتت تعتبر أن إدارة هذه الملفات شأنٌ أميركي إسرائيلي خالص. وخلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، زاد الشرخُ الأوروبي الأميركي تعقيداً، فالقوى الأوروبية أدركت أن المواجهة مع طهران ستقود إلى انفجار إقليمي خطير يبدأ من الخليج ولا ينتهي عند حدود المتوسط، وهو ما تجلّى بالفعل: فأزمة مضيق هرمز تمثل كابوساً استراتيجياً لأوروبا تحديداً، لأنها تعني تهديداً مباشراً لإمدادات الطاقة والتجارة العالمية وارتفاعاً هائلاً في أسعار النفط والغاز، في وقت تعاني فيه القارة أصلاً من أزمات اقتصادية وتضخم متصاعد منذ الحرب الأوكرانية. ومن هنا بدا الموقف الأوروبي أكثر حذراً تجاه أي مغامرة عسكرية ضد إيران، فالتيار الأميركي الإسرائيلي يعتبر الحرب طريقاً لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، فيما تراها أوروبا زلزالاً يُهدد أركان النظام العالمي ويُسرّع من انهيار التوازنات الغربية نفسها! وفي الوقت الذي تتزايد فيه الفوضى في الشرق الأوسط، كانت إدارة ترامب تفتح جبهات أخرى مع الحلفاء التقليديين، فالتهديد بالاستيلاء على غرينلاند لم يكن مجرد تصريح دعائي، بل كشف عن عقل جيوسياسي أميركي ينظر إلى العالم باعتباره ساحة صراع مباشر على الموارد والممرات البحرية والمعادن النادرة، وعكس توجهاً أميركياً يقوم على الابتزاز الاقتصادي حتى داخل الدائرة الغربية نفسها! لقد أدّت هذه السياسات إلى حالة غير مسبوقة من القلق داخل أوروبا؛ فواشنطن التي كانت تقدم نفسها ضامناً للاستقرار الغربي، بات يُنظر إليها اليوم بوصفها مصدراً للفوضى والعبثية، وأصبح السؤال المطروح داخل النخب الأوروبية ليس فقط عن مستقبل العلاقة مع روسيا أو الصين، بل عن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها! وفي خلفية هذا المشهد، يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل ما يحدث مجرد انعكاس لشخصية ترامب وأسلوبه الصدامي، أم أنه تعبير عن تحولات أعمق داخل بنية الدولة الأميركية؟ الواقع أن كثيراً من المؤشرات تُوحي بأن ترامب لم يكن صانع التحول بقدر ما كان كاشفاً له، فهو عبّر بشكل فجّ عن اتجاهات كانت تتشكل منذ سنوات داخل العقل الاستراتيجي الأميركي، تتعلق بتقليص الالتزامات الدولية والتركيز على المنافسة الكبرى مع الصين، وإعادة توزيع النفوذ والكلفة داخل المنظومة الغربية. يبدو الغرب اليوم أمام مرحلة تفكك تدريجي في مركزه القيادي، فالحلف الأطلسي لم يعد متماسكاً كما كان، وأوروبا تشعر بأنها تُدار من واشنطن أكثر مما تُشارك في صناعة القرار، أما الشرق الأوسط، فقد تحوّل إلى ساحة اختبار لهذا التصدّع.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows