Arab
دعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في حديث لـ"فوكس نيوز"، أوّل من أمس الأربعاء، الصين إلى "لعب دور أكثر فاعلية لإقناع إيران بالتراجع عن سلوكها في الخليج"، مؤكّداً أنّ حلّ أزمة مضيق هرمز يصبّ مباشرة في مصلحة بكين الاقتصادية والاستراتيجية. وبغضّ النظر عمّا إذا كان روبيو قد أصاب في ربطه بين أمن المضيق ومصالح الصين الاستراتيجية، فإنّ ما يجب التوقّف عنده طلب ذلك من دولة يُفترض أنّها المنافس الأول للولايات المتحدة لا في التربّع على عرش القوى العالمية، بل من أجل مسعاها الدائم إلى إحداث تغيير في النظام العالمي. هذا ما يفتح أمام المتابع طرح إشكالية الاستراتيجية الأميركية في حربها مع طهران، في ظلّ عجزها عن فتح مضيق أو تغيير نظام أو سحب يورانيوم مخصّب من أصفهان. فهل فعلاً خاض الرئيس الأميركي حرباً بلا استراتيجية على إيران؟ أم تُعدّ سياسة المقايضة استراتيجيته: إيران مقابل تايوان؟
استطاعت الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، أن ترسّخ في العقول صورةً نمطيةً ترتكز على أنّ كلّ رئيس يمتلك استراتيجيةً واضحةً لإدارة فترة ولايته. إذ في أواخر الستينيّات وبداية السبعينيّات، انتهج الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون سياسةً تجاه منطقة الخليج تقوم على اعتبار كلّ من إيران والسعودية "ركيزتَين" للأمن والاستقرار الأميركي وحماية مصالح الولايات المتحدة النفطية، التي أدركت واشنطن أهميتها للتفوّق على الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة. وأدّت سياسة الركيزتين (Twin Pillars Policy) إلى تسليح الولايات المتحدة للبلدَين، وتقديم تدريبات عسكرية لقوّاتهما.
انتهج الرئيس نيكسون سياسةً تجاه منطقة الخليج تقوم على اعتبار كلّ من إيران والسعودية "ركيزتَين" للأمن والاستقرار والمصالح النفطية الأميركية
تغيّرت استراتيجية نيكسون مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، إذ أتى نظام يرفع شعار "الشيطان الأكبر" في وجه واشنطن. ومع هذه العدائية الإيرانية تجاه واشنطن روّج الرؤساء الأميركيون المتعاقبون "البعبع الإيراني" بين دول المنطقة، وصولاً إلى تطبيع بعض دول المنطقة مع إسرائيل تحت مشروع "السلام الإبراهيمي". لجأت الإدارات الأميركية إلى استراتيجيات بعناوين مختلفة، منها "الفوضى الخلّاقة" زمن جورج دبليو بوش. إلا أنّ الواقع اليوم، وبعد حرب الـ40 يوماً التي ضربت فيها الطائرات الأميركية والإسرائيلية إيران، يتفاجأ المتابع بطلب روبيو من الصين فتح المضيق. تزامنت المطالبة مع وصول ترامب إلى الصين في زيارة تاريخية، وحملت الطائرة الرئاسية الأميركية التي أقلعت من واشنطن أكثر من 20 شخصية مرتبطة بعالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة، ما يؤكّد الأبعاد الاقتصادية لتلك الزيارة.
"سياسة المقايضة"، على ما يبدو، هي السياسة المفضّلة عند ترامب، لكنّ ما يتعلّق بالحرب الأوكرانية وبالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليس بالضرورة أن يكون على طاولة اللقاء بالرئيس الصيني شي جين بينغ، على اعتبار أنّ تايوان ليست كييف، من ناحية الأهمية الاستراتيجية للولايات المتحدة، وأن يكون ترامب قد جاء للمقايضة بها غير وارد. وتحتل تلك الجزيرة المرتبة الأولى في صناعة الشرائح الإلكترونية الأساسية في الصناعات والتكنولوجيا، والتخلّي عنها يعني الاستسلام الكلي لبكين، لكن ترامب لم يأت من أجل ذلك.
للاستقبال الجماهيري لترامب رسائل صينية واضحة، ورغبة في إنهاء الصدام التجاري بين البلدَين، ولكن هذا ليس كافياً لفرملة المزاحمة على صناعة النظام العالمي. فهناك قضايا كثيرة شائكة لا يمكن معالجتها في زيارة أو طلب، كما فعل روبيو بشأن مضيق هرمز. فالموضوع في ما يخص الصين واضح، وزيارة وزير خارجية إيران عبّاس عراقجي بكين استبقت كلّ حديث عن فكّ الارتباط بين البلدَين، أو ممارسة الصين أيَّ ضغوط على الجانب الإيراني في شأن مضيق هرمز أو غيره.
المشكلة عند الجانب الأميركي ليست في عدم الاستجابة الصينية، بل تكمن في خوض ترامب حرباً على إيران بلا استراتيجية
لن تحمل زيارة ترامب هدايا مجّانية، فالمشكلة عند الجانب الأميركي ليست في عدم الاستجابة الصينية، بل تكمن في خوض ترامب حرباً بلا استراتيجية، إذ ترتفع دلالات الاستهانة الاستخبارية بقدرة النظام في إيران على الصمود والردع، وما قاله ترامب حول كمّيات من الأسلحة الأميركية دخلت إلى المعارضة في إيران، لكن لم تُعرف وجهتها الحقيقية، دلالة على أنّ رهانات سقطت من يد الرئيس. لم يخسر الطرف الأميركي استراتيجية الحرب تجاه إيران فقط، فحتّى "مظلّته" الأمنية للدول العربية باتت على المحكّ. هذا ما دفع بهذه الدول، تحديداً الخليجية، إلى تنويع المظلة، وما توقيع الرياض مع إسلام أباد ما يُعرف بالاستراتيجية الأمنية إلا دلالة واضحة على أنّ اتفاقية كوينسي بين البلدَين انتهى تاريخ صلاحيتها.
لا عودة إلى الحرب مع إيران، رغم التهديدات التي تخرج على لسان أكثر من مسؤول أميركي، إذ يلوح سيناريو حرب فيتنام في الأفق، وهذا ما تخشاه الإدارة الأميركية. فجلّ ما تحتاج إليه واشنطن اليوم هو الخروج بأقلّ أضرار ممكنة من هذه الحرب، مع الاحتفاظ بحدّ أدنى من توازن العلاقات مع دول الخليج العربي. أمام هذه المشهدية، فسيضطر ترامب إلى تضخيم مكاسب زيارته بكين، في الوقت الذي لم يستقبله شي جين بينغ في المطار.

Related News
ذكرى النكبة الـ 78: تهجير غزة بعد الإبادة
alaraby ALjadeed
24 minutes ago