Arab
اثنا عشر كيلومتراً تفصل بين مقر "صندوق استكشاف فلسطين" في غرينتش، ومبنى "المتحف البريطاني" في بلومزبري بلندن. اثنا عشر كيلومتراً بين مؤسستين بريطانيتين تقاسمتا طويلاً مشروعاً واحداً يقوم على خدمة البنية الاستعمارية.
لكن شيئاً ما تغير على مدى القرنين الماضيين جعل المسافة بينهما اليوم أوسع مما يمكن لأي خريطة أن تقيسه. الصندوق لا يزال يحمل اسم فلسطين، والمتحف يلاحق الاسم ويمحوه استجابة لضغط صهاينة متحمسين اسمهم "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل"، بدعوى الحياد.
هكذا هي الكلمات "المتحف غيّر المصطلحات لأن فلسطين لم تعد محايدة سياسياً" وهكذا ما يمكن قوله إن "الحياد في مواجهة المحو ليس موقفاً، إنه اسم مهذب يتواطأ ويغطي الجريمة بسولوفان".
المفارقة اللئيمة أن هذه الحكاية إذ تنفجر مجدداً في أيام تسبق ذكرى النكبة الثامنة والسبعين التي تحلّ غداً الجمعة 15 مايو/ أيار، تلك المناسبة التي لم تكن يوماً إضبارة مكتملة مختومة في الوعي الفلسطيني، بقدر ما هي عملية مستمرة للتطبيع مع سلالة نكبات، أو الاستسلام والقبول بوظيفة عمال مياومة في التاريخ الاستعماري.
أماكن الذاكرة
في هذا السياق، تأتي أهمية كتاب "أماكن الذاكرة في فلسطين.. أسماء المدن والقرى الفلسطينية وهويتها اللغوية والتاريخية" المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026) لعالم الآثار الفلسطيني، والمتخصص في لغات الشرق القديم وحضاراته، محمد مرقطن. إنه أولاً عن اسم فلسطين الذي استمر عبر أزيد من ثلاثة آلاف عام باسمه كما هو، بينما تغيرت من حولها أسماء امبراطوريات وبقيت فلسطين منحازة إلى حقه في الوجود، كارهة أشد ما تكره كلمة "الحياد".
اسم "إنسان فلسطين القديم" يعود إلى 120 ألف عام قبل الميلاد
إن أردتَ أن تبدأ القصة من هنا فليكن. المتحف الذي من صفاته الليبرالية: الحياد يمحو اسم فلسطين ويثير اللغط والجدل والاحتجاج، وأياً من المفردات التي يتوقعها المرء وصفاً لسلوك مؤيدي احتلال استيطاني يفشل ويفشلون معه كل يوم في إبادة الفكرة الفلسطينية، ويطالبون بالحياد عبر محو اسم فلسطين لأنه غير محايد.
أو يمكن أن تقلّب فيديوهات "ستاند أب كوميدي" عديدة في مواقع التواصل تتنافس على السخرية من أمر واحد هو المتحف البريطاني الذي يضم آثاراً من كل شعوب العالم مع عدا البريطانيين.
جبل الكرمل
وإن أردتَ العودة 120 ألف سنة قبل الميلاد، فإن جبل الكرمل القديم، الذي حمل في الأدبيات الأنثروبولوجية الغربية اسماً مثل Palaeoanthropus palestinensis، أي "إنسان فلسطين القديم"، سمّوه من دون أخذ رأي صهيوني معاصر.
إن أردتَ البدء من الأحدث، فسيكون في سبتمبر/ أيلول الماضي، الشهر الذي اعترفت فيه بريطانيا رسمياً بدولة فلسطين، وكانت يد تُعدل لافتات المتحف البريطاني في الطابق الذي يضم قاعات الشرق الأوسط القديم.
لم يُعلن أحد عن هذا، ولم يصدر بيان. وحين كُشف الأمر في فبراير/ شباط 2026 عبر صحيفة تلغراف، تبين أن المحرضين هم لا غير جماعة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل"، التي أرسلت رسالة إلى مدير المتحف نيكولاس كولينان تزعم أن استخدام كلمة فلسطين في وصف حضارات عمرها آلاف السنين يُعد "غير دقيق تاريخياً"، بل يشكل انتهاكاً لقانون المساواة ويطمس "تاريخ إسرائيل واليهود". وطالبت باستبدال الاسم بـ"كنعان"، أو تقسيمه إلى تسميات أصغر وفق الحقبة، يهودا، والسامرة، وفلستيا، وفينيقيا. المتحف لم يُعلن استجابته، لكن الصور قالت ما لم يقله.
ما الذي تغير فعلاً في اللوحات؟ العديد من المسمّيات والشروح، ومن ذلك خريطة كانت تضع فلسطين الحديثة في سياقها الجغرافي الواضح باتت تستعيض عنها بغزة والضفة الغربية، وهو ما يُفترض أنه يتبع مصطلحات الأمم المتحدة التي اعترفت بفلسطين دولةً منذ 2012، ولحقتها بريطانيا العام الماضي، لكنها حين اندلعت الحكاية لجأت أيضاً إلى وصفة الحياد وقالت: المتحف له شخصيته المستقلة.
صندوق اكتشاف فلسطين
لنذهب إلى عدو فلسطين الذي لم يفكر بمحوه منذ 161 سنة. فقد تأُسس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865، وكان أول رئيس له أسقف يورك. لم يكن يخفي نيّاته. جاء ليمسح الأرض، ويرسم خرائطها ويحضّرها مقشّرة جاهزة لمن يأتي بعده، وكان يعلم جيداً من سيجلب على البواخر.
وظف المهندسين العسكريين لأن عمله كان يقع، وفق تعريفه هو، في المنطقة الرمادية بين المسح الجغرافي والاستخبارات. وأرسل في خدمته ضابطاً شاباً اسمه هربرت كيتشنر ليرسم فلسطين بكل مدنها وبلداتها وقراها ووديانها، وخربها، وآبارها، وطرقها، قبل أن يذهب كيتشنر نفسه إلى السودان ليرتكب المجازر ويقتل الجرحى والأهالي العزّل في أم درمان، وينبش قبر المهدي ويلقي رفاته في النيل، ثم ينتقل إلى جنوب أفريقيا ليخترع معسكرات الاعتقال الجماعي التي مات فيها عشرات الآلاف.
هذا هو كيتشنر الذي رسم فلسطين للصندوق، وصورته لاحقاً صارت أشهر صور الدعاية الحربية في التاريخ البريطاني.
ومع ذلك، لم يكن الاسم مشكلة في بال الصندوق الاستعماري ولا في بال مجرم حرب اسمه كيتشنر. المستعمر الواثق من نفسه لا يحتاج إلى محو الكلمات. يحتاج فقط إلى القوة الغاشمة للهيمنة والوعي بهذه الهيمنة وبرمجة هذا الوعي.
وبالتأكيد كانت هذه القوة الواعية حاضرة لدى شخص اسمه بلفور يكتب في وعده الشهير سنة 1917 عن إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، لا في "أرض إسرائيل".
حتى المستعمرون الاستيطانيون الأوائل في أميركا الشمالية، أسلاف من صاروا لاحقاً أميركيين، تركوا وراءهم قدراً من الأسماء الأصلية للسكان الذين أبادوهم أو اقتلعوهم. ما تزال كلمات مثل شيروكي وشيكاغو وماساتشوستس وأوكلاهوما تتردد يومياً في اللغة الأميركية نفسها، بوصفها آثاراً لغوية لمحو بالغ في فجوره، بيد أنه لم يكتمل تماماً.
أما الاستعمار الصهيوني فيبدو أكثر فجاجة في علاقته بالاسم والمكان، وأكثر اندفاعاً نحو إعادة التسمية والإفراط في القتل معاً، كأن العنف المتواصل نفسه يكشف قلقاً عميقاً من عدم الاطمئنان الكامل إلى الأرض بوصفها منزلاً نهائياً.
إذا أخذنا علماء الآثار أنفسهم، المتعصبين للمشروع الصهيوني، والأقل تعصباً، ظلوا حتى مطلع الثمانينيات يكتبون أطروحاتهم ودراساتهم ويسمّون حفرياتهم ومجلاتهم ومراجعهم الأكاديمية باسم "فلسطين" أو "أرض فلسطين القديمة" دون أن يرف لأحدهم جفن، أو إن أصابته حكة جلدية، فيلجأ إلى اسم "الديار المقدسة"، كما لاحظ محمد مرقطن.
أفعى فلسطين
عام 1938 افتُتح "متحف فلسطين للآثار" في القدس بوصفه المتحف الوطني للآثار في فلسطين الانتدابية. وفي العام نفسه تقريباً، وُصفت علمياً الأفعى المعروفة اليوم باسم Daboia palaestinae أي: "أفعى فلسطين".
صار اسم المتحف بعد احتلال القدس "متحف روكفلر"، وفي أرجاء فلسطين كانت الطبيعة نفسها التي تخرج منها أفعى فلسطين الجميلة ذات السمية الأعلى في بلاد الشام، تواصل عملها الأسطوري والأرضي، وهي تعبر قرب "اللوف الفلسطيني" Arum palaestinum باسمه العلمي الذي صاغه عالم النبات السويسري بيير إدمون بواسييه سنة 1854. وطائر الشمس الفلسطيني Palestine sunbird لا يزال يحلق في الأدبيات العلمية منذ القرن التاسع عشر دون أن يدرك أن اسمه صار فجأة غير محايد.
كينونة فلسطين
الكينونة الفلسطينية الأهم بالنسبة إلى محمد مرقطن هي أسماء الأماكن وفي تاجها فلسطين، التي أسسها شعب هذه الأرض، وهو الذي حمل الأمانة منذ آلاف السنين وأوصلها إلى التاريخ الحديث.
وهو هنا يفعل بالضبط ما تخشاه جماعات الضغط المهووسة ومجالس الأمناء المحايدة. يأخذ أكثر من ألف اسم لقرى ومدن فلسطينية، وينطلق من كل واحد كما ينطقه أهل المكان في اللهجة الفلسطينية الحية، ثم يغوص في طبقاته الكنعانية والآرامية والعربية واليونانية والعثمانية، ليُثبت ما لا يحتاج إثباتاً لمن يريد أن يرى، لكنه يحتاج توثيقاً علمياً صارماً أمام من يشكك ويتملص.
يافا هي يافا منذ آلاف السنين. غزة هي غزة. عكا هي عكا. لا الحروب غيرت هذا، ولا الترحيل، ولا إعادة التسمية، ولا رسائل محامي إسرائيل.
حتى الأماكن التي أبيدت مادياً، كما ذكر في إحدى دراساته، بقيت موجودة في الضمير الشعبي الفلسطيني، ضد المحو، وفي سرده المتوارث كقريتي الدوايمة والطنطورة المذبوحتين أرضاً وبشراً.
فحص المؤلف مراجع من الشرق الأدنى القديم، والعهد القديم من الكتاب المقدس، والنقوش العربية الجنوبية القديمة، والمصادر اليونانية واللاتينية، والجغرافيين والرحالة العرب والمسلمين، والمصادر الصليبية، وتقارير من الرحالة والحجاج الأوروبيين، والأرشيفات العثمانية وأرشيف المحاكم الشرعية في فلسطين، وخرائط ووثائق المسوحات الأثرية في فلسطين.
منهج توراتي
حتى الأسماء الموجودة في التوراة، فهو موجود في نص يؤخذ بالحسبان من دون حمولته الأيديولوجية. وفي ذلك يرفض مرقطن منهج التوراتييين، أي الذين يبدأون من نص ديني ثم يبحثون عن جغرافيا تطابقه. هو يبدأ من الواقع المعاش، من الاسم المنطوق اليوم، ثم يسير به إلى الوراء عبر الطبقات، وينفرد بين سلسلة الكتب السابقة بأنه ليس كتاب قوائم، على أهمية ذلك، لكنه محاججة قوية لمن يستغل فائض القوة في فبركة التاريخ.
حين كان باحثون غربيون يبدأون من العهد القديم ليثبتوا أن "كنعان" هي التسمية الأصح، كانوا في الحقيقة يسيرون نحو الأمام لا نحو الخلف، إلى مشروع سياسي يحتاج غطاء أكاديمياً لا حقيقة تاريخية.
ولدى قلبه هذه المعادلة، فإن كتاب العالم الفلسطيني لا بد أن يكون مزعجاً لمن يريد الراحة. لا بل إن من يسميهم بـ"المشعوذين" العرب، لا يقلون بحسبه أذى عن الصهاينة، فهم يفرغون فلسطين من أي وجود جغرافي وتاريخي عمره آلاف السنين، بسبب من لوثة توراتية معكوسة.
فالمشروع الاستعماري الغربي حمل المعول بيد والتوراة بيد، وأراد فلسطين تتقفى حروب يوشع، وثمة في المقابل عرب يريدون تطهير فلسطين من تاريخها.
لكأن المشكلة، كما يؤكد، في التوراة التي هي كتاب فلسطيني قديم، أو في اليهود، لا في أيديولوجيا عنصرية.
مع ذلك يحذر مرقطن من التنميط الاختزالي الثنائي. فمن سيره الحثيث خلال أربعة عقود في هذا الحقل المعرفي يوضح أن الأكاديميا البريطانية في العموم غير معادية لفلسطين، وفي أحيان ترفض، ولا تذعن للضغوط الصهيونية.
استخدم علماء الآثار المتعصبون للصهيونية اسم فلسطين حتى الثمانينيات
قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، من مصر إلى بلاد ما بين النهرين، ظل اسم فلسطين موجوداً ضمن هذا الفضاء الجغرافي الذي نعرفه، يتقلص ويتمدد تبعاً للعوامل التاريخية من صراعات داخلها وحولها.
من هو هذا الشعب؟ إنه كما يواصل "سكان سموّا أماكنهم أولاً، وقبل كل شيء لأنهم ينتمون إليها. سكان أصليون يعبدون بعل، هم ذاتهم يتحولون إلى اليهودية، ثم المسيحية، ثم الإسلام، داخل المجتمع الفلسطيني، وقد جاء غزاة كثر ورحلوا وبقي منهم واندمجوا، إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث، فكان هذا الشعب آخر شهادة بشرية للاستقرار البشري في فلسطين من عصور ما قبل التاريخ إلى اليوم.
"نحن قبيلة لا تنام" قالها شمعون بيريز بوصفها فخراً. لكن العبارة، حين تُقرأ في ضوء ما يجري، أو في الظلام الدامس لما يجري، تنقلب على صاحبها. فالقبيلة التي لا تنام هي التي لا تطمئن. والذي لا يطمئن يعرف في قرارة نفسه أن جدران البيوت غير ملفقة وغير محايدة.

Related News
عجز موازنة السعودية يتضاعف بسبب الحرب
alaraby ALjadeed
13 minutes ago